المملكة .. ومعارك التنمية في زمن معارك الدم
في الوقت الذي ينشغل فيه كل محيطنا العربي والإقليمي بالمعارك والصراعات إما على الهوية أو على التوجه السياسي واقتسام السلطة، تظل دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها المملكة تنشغل بورش عملها التنموية، ورفع كفاءة مستوى معيشة أبنائها، وبناء مستقبل الأجيال فيها، لا نقول أو ندّعي هذا من باب التشفي أو المزايدة، لأن هذه المنظومة ظلت على الدوام تقف في موقف النصرة لكل أشقائها، وتعمل على استتباب الأمن في كافة ربوع الوطن العربي، وإنما نقدم واقعا قائما، لنحاول من خلاله تقديم تجربة هذه المنطقة في الاستقرار لمن يريد أن يستفيد منها. لم تكن المملكة يوما ما طرفا في أي صراع عربي، ولم تحاول أن تشق الصف لتطلب من الآخرين اللحاق بها، كانت على الدوام تسعى للملمة جموع الأمة، وتعمل كل ما في وسعها على جمع الكلمة للخروج بموقف واحد يتحدث بضمير الأمة، كذلك لم تتوان عن دورها في دعم أي قطر عربي يتعرض لأي نوع من المخاطر، في الوقت الذي لم تنشغل فيه في ترديد الشعارات أو تتصدر المنابر من أجل دعاية رخيصة ما تلبث أن تطير مع الهواء، كانت تريد أن تبقى أقدامها على الأرض، تعمل من أجل بناء الوطن، ورفاهية المواطن، الأمر الذي حوّلها إلى ورشة عمل كبرى دون أن تتأثر بتلك العواصف الترابية التي تحتدم من حولها، وتمنع الرؤية السليمة عن البعض، كانت تعالج مواقفها بميزان الحكمة دون أن تتيح الفرصة لأي طرف أن يزايد عليها، لأنها ترفض أن توظف ما تعمله من أجل الآخرين لصالح مواقف سياسية، سرعان ما تتبدل وفقا للغة السياسة التي لا تستقيم على حال، إلا لتتبدل إلى حال أخرى تبعا للظروف الدولية ومصالح اللاعبين في الميدان السياسي، وقد نجم عن هذا التوجه الثابت أن بقيت المملكة بمنأى عن تأثير تلك الرياح رغم محاولات البعض من الحاقدين اختراق تلك السياجات وجر المملكة إلى حمى الصراع بمختلف أشكاله، وصرفها تماما عن معركتها الأزلية، وهي معركة البناء المستدامة، التي لم تتوقف للحظة واحدة رغم كل ما يجري على تخوم أراضيها، وما يحدث من صراعات دامية على الضفة الأخرى من حدودها الممتدة، فواصلت معركتها الكبرى في بناء المدن الجامعية والاقتصادية، وبناء المستشفيات المرجعية، وبناء الطرق، لم يوقفها عن ذلك أي تهديد، لأنها تثق بمتانة حصانتها الأمنية من خلال وعي مواطنيها، وضمانة قواها الأمنية، وهذه هي ثقة من يعملون من أجل شعوبهم، حيث لا يمكن أن تلهيهم أي عاصفة عابرة عن المضي قدما في مشروعهم التنموي، طالما أنهم يثقون أنهم يقفون مع شعبهم في خندق واحد، وأن هذا الشعب يعي تماما ما تبذله حكومته من أجله، ومن أجل مستقبله، كما يعي كل ما يُحاك له لجره إلى بؤر التوتر والخلاف، أو محاولة إدخاله عنوة في دوامة الصراع عبر بعض الاتهامات الباطلة، التي ما تلبث أن تعرّيها الحقائق الثابتة وتسقطها تحت أقدام مروجيها، دون أن تهز شعرة في هذا الكيان الشامخ، الذي يستمد قوته وحضوره وثباته من تلاحم أبنائه، وتماسك الصف الوطني فيه بكل أطيافه، وعدم الانجرار إلى تلك الأصوات النشاز التي تتمنى أن تتمكن من اختراق حصافة الموقف، لتدفع بهذا الوطن حكومة وشعبا إلى دائرة الملاسنات والمهاترات، مما يصرف الأنظار أو يُلهيها على الأقل عن متابعة تلك الورش الضخمة التي تعمل على مدار الساعة، وعلى مساحة أكثر من مليونين ونصف مليون كيلو متر مربع، وهو ما لم يُحقق أي درجة من النجاح مع وطن كان وسيظل شعاره نعم لمعارك البناء، وألف لا لمعارك الفناء .