د. فالح العجمي

أقنعونا بأننا لا نستطيع العيش دونها

هناك نوعان من الابتكارات وإنتاج الأدوات التقنية الجديدة: أحدهما أن تنتج أداة أو سلعة جديدة تنافس السلع الموجودة من قبل (سواء كانت من إنتاج الشركة نفسها، أو من إنتاج شركات أخرى وبأشكال أخرى)، أما النوع الآخر فهو أن تعمد إلى منتج ميت، فتحييه بطريقة مختلفة، أي أن تنشئ طلباً لم يكن موجوداً، وهذا هو ما قامت به العقول المخططة في شركة أبل، منذ مؤسسها العبقري ستيف جوبز. فشركة أبل صنعت طلباً لأشياء لم تكن من قبل محل طلب؛ فأخذت منتجات لم نكن نرغب فيها، وأقنعتنا بأننا لا نستطيع العيش دونها. فهي كانت تعمل ذلك أفضل من أي شركة تصنيع أخرى في العالم من خلال هواتفها المحمولة، التي دشنت بها حقبة ما أطلق عليه "الأجهزة الذكية". وقد مرت فترة تلت انفصال المبتكرَيْن بيل جيتس (صاحب براءة منتجات ميكروسوفت) ورفيق دربه ستيف جوبز الذي واجه تنكّر جيتس له بالتركيز على الابتكار، وإنشاء شركة أبل. وكانت حقبة هيمنة منتجات تشغيل ميكروسوفت على السوق الرقمية، قد جعلت الناس يظنون أن منتجات أبل وأنظمة تشغيلها في طريقها إلى النسيان والاندثار؛ غير أن المبتكر العنيد (ستيف جوبز) أثبت أنه من طراز نادر. فعاد إلى السوق بقوة بعد أقل من عقد من الزمان، واكتسح السوق الرقمية؛ ليس في منتجات الحاسوب والأجهزة اللوحية فحسب، بل وأيضاً في الهواتف المحمولة، التي أصبـحـــت تمثل أكــثر من نصف أرباح الشــــركة في السنوات الأخيرة. والآن اتجهت شركة أبل إلى إنتاج ما يسمى "ساعة أبل"، مع ملاحظة كون اسم المنتج خالياً من وجود رمز الآي. فماذا عسى أن تكون طبيعة هذا المنتج الثورية، المتوقع تداوله في مطلع العام القادم؟ كل ما يقال عن مثل هذا الابتكار حالياً أنها ستكون شخصية وحميمية! مع العلم أن ساعات اليد قد عرفها الإنسان منذ مطلع القرن العشرين؛ لكنها منذ تلك الفترة وهي تراوح مكانها في تقديمها أساساً خدمة معرفة الوقت، وربما أصبحت نوعاً من الاهتمام بالمظهر، بتواؤمها مع الملبس، أو كونها من الماركات التي يحرص بعض أصحاب الشياكة على الاهتمام بها. ما لبثت أن ألحقت بها بعض الخدمات الجانبية، كالآلة الحاسبة في منتصف السبعينات، وهو ما أحدث نوعاً من الطفرة في الخدمات الملاصقة للجسد، لكنها كانت آخر تلك التطورات. وتبع ذلك في العقود التالية ساعات البيجر أو ساعات الهاتف، لكن الناس لم يرغبوا فيها بكثرة. وفي سنة 2004م أنتجت ميكروسوفت ساعة تتنبأ بالطقس وترسل رسائل وتتلقى إذاعات الإف إم، لكنها ماتت بعد سنوات قليلة من إنتاجها. وما تبقى من تلك المنتجات، التي تحمل وصف الساعة هي الآلة الحاسبة التي كانت استخداماتها محدودة جداً. أما في ساعة أبل التي يكثر الحديث عنها حالياً، فستكون من خلال ابتكارها أجسادنا قد أصبحت أيضاً أون لاين باستمرار، فإلى أي مدى نرغب أن نذهب بعيداً في هذا المجال؟ كما أنها بالإضافة إلى ذلك تدعم ما يسمى: "نظام دفع أبل الجديد اللاسلكي"؛ وهو ما قد يصبح بديلاً لاستخدام أرقام البطاقة الائتمانية المستخدم حالياً. لكن المشكلة في هذه المنتجات الملبوسة، أنها من جهة تعطيك التحكم في الأشياء (وهذا إيجابي بالطبع)، لكنها من جهة أخرى، تأخذه أيضاً منك في الوقت نفسه. مثلما أنها تبقي الإنسان متصلاً بالآخرين أكثر من اللازم، حيث يكون المرء مرتبطاً بخارج أماكن تواجده الجغرافي، فهل سينسى الناس كيف يكونون بمفردهم، ويصبحون كائنات مشتتة؟