حتى تعود ابنتك!
عاد من صلاة الفجر، ووجد رائحة القهوة الزكية تفوح في بيته، وزوجته تستقبله مبتسمة، قائلة: «الله يهديها توها تصحى وتصلي» وتشير إلى ابنتهما الكبرى وهي تصلي.ردَّ عليها بلُطف: الأولاد مصلين معنا، والبنت وينا ووين الإشراق؟! وإن كنت أدري أنك حريصة، وتخافين من التمادي.قالت الزوجة: والله يا أبو محمد بعد ما سمعت خُطبة الجمعة هذا الأسبوع عن تربية الأبناء وأنا أخاف يلحقنا إثم لو فرّطنا وتغافلنا عن شيء فيه صلاحهم.الزوج: إي والله ذكرتيني بخُطب ذا الشيخ جزاه الله خيراً، كلها تلامس الواقع بأسلوب سهل ومقنع. ومسوي سلسلة محاضرات عن خطر الشبهات والشهوات كل أسبوع يشرح لنا مسائل فيها شُبه للغلاة وشهوات يروج لها الفاسدون، وفي نهاية الشهر مسوي مسابقة في محتوى المحاضرات.وتراه قال لنا إن نهاية هذا الأسبوع بيكرّمون طلاب حلقات التحفيظ، وداعي نائب الأمير، ورئيس المحاكم ووعدوه إنهم يحضرون.الزوجة: ما شاء الله! أجل بيتكرّم محمد ووليد لأن حفظهما متميز.الزوج: من يوم جانا أستاذ التحفيظ هذا من مكة وأمور أولادنا زينة، وأهل الحي أبلشوا الإمام كل واحد يبغى يتكفّل براتبه وحوافز وهدايا له يوم شافوا نتيجة عمله.الزوجة: والله التعاون زين. تصدق يا أبو محمد أن جارنا المسكين أبو صالح بيزوج ولده بدون ما يخسر شيئا! راحوا لثلاث جمعيات خيرية، وكل جمعية تكفّلَت بشيء، وتقول أم صالح: أبو الزوجة يقول: ما نبغى إلا رَجُلا مستقيما يتزوج بنتنا، وحلف ما يأخذ أكثر من خمسة آلاف، ويقول: جهاز بنتي عليّ.أقبلت البنت بعد أن أنهتْ الصلاة، وقبّلَت رأس أبيها قائلة: صباح الخير يا أغلى أب!الأم: هذي وراها شيء ما دام فيها أغلى أب!البنت: المشرفة في المدرسة تقول إن أستاذات في جامعة الدمّام نظمن معرضا وفعاليات بعنوان» قِيَمِي»، وسيحثونا فيه على قِيَم مثل: الصدق، والاتقان، ولزوم الحجاب والعفاف، والقراءة والاطلاع. وتقول إنها تعرف دكتورة، ونسّقت معها علشان كل «بنات المُصلى» يذهبن لزيارة المعرض في الكلية.الأب: ما شاء الله. ومتى بتروحون؟البنت: الساعة 9 إلى الساعة 12 تكفى الله يخليك، مرّة متحمسة أدخل الجامعة واشوف بنات الجامعة!الأم: ما دام أولادك بيكرّمهم الأمير والشيخ وبيأخذون جوائز، فخلها تروح أجل.الأب: بشرط إن مستواك في التحفيظ يكون جيّدا هذا الأسبوع.البنت: أبشّرك كل الحفظ والمراجعة عندي ممتاز هذا الأسبوع إلا يوم واحد أخذت في المراجعة: جيد.الأب: الله يوفقك. أجل موافق، وباعطيك هدية خاصة على مشروعك مع مكتب توعية الجاليات النسائي يوم توزعون مطويات وتُحَف على عاملات النظافة في المستشفى، علشان ما تحسدين إخوانك على هداياهم. كنت منتظر مناسبة علشان كلكم يجيكم هدايا.قبّلت البنت رأس أبيها مبتسمة، ثم قالت:»يا الله بروح ألحق على المدرسة».إلى كُلِّ عاقل..إن الفرائض تُقام، وحُكم الشريعة مُعلن مُؤكّد عليه، والخير هو الغالب.. وأنت في أمن لا يجده - والله – ولا يتوقعه المواطن في كثير من الدول التي توصف بالعظمى أو في أكثرها، ومِن تجربة قريبة أُحدِّثك.فاحمد الله تعالى على ذلك، وكُن عامل استقرار ووئام، ولا تسمح لِمَن تشرّب ثقافة انحلال وفجور، أو منهج غلوٍّ وإجرام أن يستجرّ بلدك إلى ما ترى في بقية البُلدان القريبة والبعيدة، التي إن سلمت من الحروب والخوف الدائم والجوع والتشريد وفساد الحال إلى الغاية، لم تسلم من إقصاء الشريعة، وإعلان تجنبها وربما محاربتها.إني لا أقصد بذلك أن التقصير والخلل والتهاون غير موجود، بل هو واقع، وعلينا مسؤولية مجتمعية أن نكون متفاعلين مع كل مبادرة خيّرة، ومناصحين لكل مسؤول حال التقصير أو الإساءة، ساعين في الإصلاح مع حفظ الوئام والأمن ولُحمة المجتمع.نعم.. إنك قد لا تستشعر أي نعمة تعيش فيها حين تكون الشريعة ظاهرة مُعلنة؛ لأنك لم تجرّب نقيض ذلك، وكذا حين تذهب بنتك إلى المدرسة أو دار تحفيظ القرآن أو محاضرة نافعة، أو فعالية مفيدة أو سوق أو زيارة دون أن تخشى ألا تعود أبدا!