الإسلام والليبرالية علاقة مفصومة من جذورها
الإشكالية المطروحة في الأوساط السياسية والأكاديمية الغربية والشرقية على حد سواء تدور حول التناقض الحتمي القائم بين مبادئ العقيدة الإسلامية والليبرالية، والبحث في إمكانية العثور على قواسم مشتركة بين المسألتين لاسيما فيما يختص بالديمقراطية والشورى، ويبدو واضحًا للوهلة الأولى أن وضع مقارنة أولية بين تلك المبادئ والأيديولوجيات المصاغة بعقول بشرية أمر يجانبه الصواب، ولايجوز التفكير في تلك المقارنة بكل تفاصيلها وجزئياتها؛ لأن الاختلافات بين الإسلام كمبادئ ربانية وبين الليبرالية كصناعة بشرية كبيرة وواسعة وعميقة.لقد بزغت خيوط تلك الإشكالية بوضوح أكبر في أعقاب هجوم القاعدة على الولايات المتحدة، فظهر الجدل حول علاقة الإسلام بالإرهاب، وروج لما عرف في عقاب ذلك الهجوم بما سمي بـ«الإرهاب الاسلامي»، ورغم أن تلك العلاقة مفصومة تمامًا إلا أن من الخطأ الفادح القول بسريانها أو صحتها لمجرد فوز حزب علماني على حزب إسلامي في أي انتخابات رئاسية كما حدث مؤخرًا بتونس رغم ما خلفه الحدث من مردودات سلبية على الأحزاب الإسلامية وبداية الحديث عن مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي، ولاشك أن التناقض واضح بين الليبرالية والإسلام حتى وإن شاعت المنغومة المهترئة في الغرب بإمكانية نشوء «سلام ليبرالي» أو «ديمقراطية إسلامية».إن القول بأهمية اعتماد نظرية «الإسلام المعتدل» لا يبيح لبعض المنظرين ربط العقيدة الإسلامية بالليبرالية رغم تمويل الولايات المتحدة وحلفائها للمسلمين المعتدلين كما هو الحال في الأحداث الدامية التي تدور رحاها اليوم على الأراضي العراقية والسورية، فالنظرية صائبة لمواجهة التطرف إلا أن ربط الإسلام بالديمقراطية الغربية الحديثة لا يبدو صائبًا، وبالتالي فإن «الليبرالية الإسلامية» كما صاغها أولئك المنظرون لن يكتب لها الحياة في دول العالم العربي على اعتبار أن معدلات القبول بالعلمانية في تلك الدول لها صفة الانخفاض التدريجي والاضمحلال الوشيك.وإذا أدركنا يقينا استحالة تمرير ما يسمى بـ«الليبرالية الإسلامية» في دول الشرق الأوسط ومعظمها يدين بالعقيدة الإسلامية فإن استحالة تمرير ما يسمى بـ «الليبرالية السياسية» هو «تحصيل حاصل» إن جاز القول في تلك الدول رغم هبوب رياح «البورجوازية» على بعضها، وتأييد الولايات المتحدة لأي تحرك سياسي إسلامي يجيز ممارسة الديمقراطية لا يبدو مقبولًا في ظل ارتباط التحرك بالتطرف والانغماس في بؤره، ولايبدو أن «الإسلاميين المستقلين» نجحوا في التقريب أو المزاوجة بين الديمقراطية والإسلام.إن الشورى التي جاءت في النص القرآني لا يمكن تبديلها بالديمقراطية الغربية المتفتقة من عقول البشر فهي مذهب سياسي لا يمكن اعتباره تحولًا منهجيًا للخروج عن المشروع الإسلامي، ولا يمكن بالتالي اعتباره بديلًا -حتى وإن طرح- لإبداء الرأي حوله من قبل المثقفين العلمانيين، أو قدم للنقاش والمداولة أمام المجالس البرلمانية العربية.وإذا بدل النظام الشوري بالنظام الديمقراطي الغربي فإن احتمال سقوط مبدليه في مستنقع الديكتاتورية أمر غير مستبعد، واحتمال سقوطهم في مستنقع التطرف أمر غير مستبعد أيضًا، والتبديل في حد ذاته يعد انحرافًا سياسيًا يقود مرتكبيه إلى ممارسة الإرهاب بطريقة منهجية حيث يتحول ما يسمونه بـ«الإسلام الديمقراطي» وفقًا للتبديل أو التغيير إلى «إسلام إرهابي»، وهنا تختلط الأوراق أمام الرأي العام في الشرق والغرب، ولا منجاة للخروج من عنق هذا الفهم الخاطئ إلا بتغييره من الجذور عن طريق الاعتراف الضمني بأن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد، ولا يمكن بالتالي إن اختلطت الأوراق في أذهان البعض القبول بفكرة التأليف بين الإسلام والليبرالية.