د. فالح العجمي

دماغ عامل وعقل خامل

عرفته كائناً غامضاً، ومتبلداً إلى حد الفظاظة؛ فعندما ينهمك الناس في حديث أو استمتاع بمشهد طريف، أو حادثة غريبة، يكون له عالمه في حديثه مع من حوله، أو انشغاله بجهازه الذي لا يفارق يده في السنوات الأخيرة. يقلب جهاز الهاتف باستمرار، ويردد آخر عبارة سمعها من أحد المتحدثين، ليوهم الناس بأنه معهم، وأنه يستوعب ما يقولونه، حتى وإن انشغل بعينيه وحركات يديه عن متابعتهم، ولم يشاركهم في الحديث.شككت في قواه العقلية لفترة من الزمن، لكنه يفاجئني بقدرات كبيرة على التفكير، عندما يريد، في موضوعات جزئية، لا يتحمل - فيما يبدو - إطالة التفكير لأكثر من ذلك المدى. يريد في كثير من الأحيان إبعاد التفصيلات، وعدم إدخال المزيد من الأفكار بشأن النقاط التي تشغله؛ لكنه يأتي بأفكار معقولة ومتماسكة بشأن الجزئية التي يفكر فيها، مما يعني أن دماغه على ما يرام، وأنه قادر على ممارسة التفكير، لكنه لا يريد إطالته، ولا ربط الأفكار الجزئية ببعضها البعض.غريب أمر الإنسان؛ إذ يستطيع دماغه أن يشتغل بصورة طبيعية، لكنها قاصرة، يختار الجزئيات التي يُعنى بها آنياً، ولا يتجاوزها إلى غيرها مما يدور الحديث عنه، أو مما قد يهم الإنسان في مرحلة لاحقة. كما يعجز عن ربط الأشياء ضمن تسلسلها المنطقي؛ أي أن عقله خامل لا يستطيع العمل، خلافاً للخلايا الدماغية التي تشتغل على الإشارات، التي يصدرها جهازه العصبي وتحللها تلك المراكز؛ غير أن التحليل يبقى في مناطق متباعدة لا تتواصل فيها، لترسم الصورة الكاملة، وهذا يعني في ظني، أنه بيولوجياً على ما يرام، لكنه نفسياً وإدراكياً في حالة غير طبيعية.عندما قارنت هذه الحالة بما كنت أشتغل عليه في نواحي الاشتراك الكلي لمراكز الإدراك لدى الإنسان في إيجاد ما نسميه فلسفياً "التصورات" - وهي المنطلق الرئيس في الحكم على الأشياء - عرفت أنه كان معذوراً في خلل تصوراته، التي كنت أعيب عليه القصور فيها. فهذه التصورات من مهام العقل، الذي يغيب عن صاحبنا عندما يريد التوصل إلى "الحكم" من خلال جزئية فقط يتحمس لها؛ فيكون حكمه بعيداً عن الواقع، ولا علاقة له بجزئيات أخرى كثيرة، لم يربطها مع جزئيته التي تحمس لها؛ فيخرج حكمه مبتوراً، ومنبتّاً عن الواقع.حاولت مراراً أن أنبهه إلى الجزئيات الأخرى، التي تغيب عن باله، عندما يتحمس، ويصدر أحكامه المطلقة؛ لكني أفشل في كل مرة، كما حاولت أن أجعله ينوّع اهتمامه، أو يشترك مع الآخرين في اهتماماتهم، لكني أخفق كل مرة في ذلك.دماغه يعمل بصورة نشطة وإيجابية، لكن ضمن الجزئية التي حددها لنفسه مسبقاً، وذاكرته جيدة جداً، لكنها عشوائية، عندما يُطلب منه أن يتذكر أشياء أخرى تبعده عن هذه الجزئية، التي اهتم بها. محارب عنيد في الدفاع عما توصل إليه من أحكام مبنية على تلك التصورات المنقوصة؛ فيصبح ضيق الأفق وأحادي الجانب، عندما يدخل في نفق الحماس لفكرة جزئية، مع أنه في غير تلك الحالات ليس كذلك.تذكرت الشروط التي يطلبها بعض المنظمات المتخصصة في أعمال غير قانونية من قدرات المرشحين على تعلم خطوات محددة، وحصر تفكيرهم فيها فقط، دون أن تكون لديهم القدرة أو الرغبة في الخروج عن ذلك الإطار الضيق. كما كنت أستغرب استسلام أفراد فرقة الحشاشين إلى أوامر قادتهم، رغم عدم منطقية ما يأمرونهم به، لو قلّبوها في عقولهم، لكنني أيقنت، أنهم مثله يتوافرون على أدمغة عاملة وعقول خاملة.