د. محمد الغامدي

مقتل «عبدالله القاضي» والابتعاث

إن تفاصيل مقتل المبتعث السعودي الفاضل المغدور عبدالله القاضي -رحمه الله- تجعلنا أمام حقائق مهمة، وأمام مواجهة مع ضمائرنا لم تعد تحتمل التسويف، ولا المجاملة لوزارة التعليم العالي وإدارة الابتعاث والملحقيات.وأهمّ أمر يجب أن نعترف به ونشعر بخطورته -لأن ذلك أول خطوات الحل- أن الإعداد للابتعاث كان معدوما أو محدودا للغاية، وهو أمر يجب أن لا يُسكت عنه بعد الآن، وإن ما يجعلني أطالب بمحاسبة (نعم! محاسبة) كل من كان له يد في الإعداد للابتعاث أن ما جرى في الابتعاث الأخير لا أتصوّر أبدا أنه نسيان أو خلل عفوي، لأنه كان يشترط قبل «الابتعاث القديم» التأهيل الشرعي والإثراء بمعلومات مهمة مُثْرِية. فترك هذا عمدا في الابتعاث الحالي موجب للمحاسبة والكشف للجميع عن أسباب هذا التقصير الفادح. طبعا هذا فقط إن كان لأرواح وأخلاق وسلوك من تعرض لسوء أهمية، وإن كان للثروات المصروفة على الابتعاث مَن يدقق ويرصد ويستخلص النتائج!.الشرطة الأمريكية تقول: إن عملية بيع سيارته -رحمه الله- جرت في وقت حساس. خطأ بدائي جديد، ويذكرني بما شاهدتُ ولَمَسْتُ -أثناء تعايشي مع المبتعثين إلى ما قبل أشهر قليلة- مِن نقص في التأهيل والتعليم وهما يُعدان ضرورة قبل إرسال فلذات أكبادنا ومستقبل بلدنا العظيم إلى بحر أمريكا المتلاطم، حيث مئات المنظمات الإجرامية التي تتلمس الحلقة الأضعف لتمارس إجرامها، وحيث توجد صور كثيرة من الإجرام القانوني والفجور المصرّح به عندهم!.إن من يزعم أن الابتعاث دون ترشيد ولا تأهيل لا يؤثر سلبا على سلوك وأفكار من يذهب لتلك البلاد يكون قد زعم مستحيلا، وناقض العقل والواقع، وفوق ذلك نَجِدُ أن الإسلام قد حرّم الإقامة في بلاد غير المسلمين لغير عذر، وأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم...الخ، وهذا يؤكد أن البقاء هناك خلاف الأصل، وأن له آثارا سلبية. فما لنا ندفع بهؤلاء الآلاف دون تأهيل وإعداد؟!.وبعد هذه المطالبة أجد من المهم أن أتطرّقَ لِما أصاب الخطاب الإعلامي عندنا -في المجمل- فيما يخص الابتعاث، إذ ألحظ أنه أصبح متطرفا حد التجريم عندما يتصل الأمر بنقد الابتعاث، أو المطالبة بترشيده أو تحسينه. هكذا وبكل بساطة إما أن تقول إنه خير محض لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه، وإما أن تكون محاربا للتنمية منغلقا...الخ.مع أن أقصى ما لحظتُ أن مَن تعرّض للابتعاث بتوازن طالب به هو العلم والتعليم، ونعرف جميعا أنَّ العلم نور كما نقول دوما. فمن الذي يزعجه النور؟ وماذا يخفي حتى يخشى من أن يكشفه النور؟!.أسئلة يمكن أن يقف أحدنا عاجزا عن محاولة إيراد جواب مقنع عنها.وهنا ملحظ مهم وهو أنَّ المتحمسين للابتعاث دون قيد أو شرط أو إعداد أو متابعة فعلية يتهمون مجتمعنا بالانغلاق، فهلا أعددتموه قبل خروجه من الانغلاق!!.مهما يكن من شيء، فإني أرى أن هؤلاء المتحمسين للانفتاح الذي يرجون أن يُحْدِثَه الابتعاث سيورِدُون الواردات على مجتمعنا ومستقبل بلدنا، ليس لأن مجتمعنا بلا مثالب ولا نواقص نرجو أن نعالجها ونُحسّن وضعنا، بل لأن هذا التوسع لن ينتج نتاجا بلا سلبيات كبيرة. إن أجده أمرا منطقيا للغاية وتعضده التجارب: عندما يتم التوسع على نحو كهذا دون تحسب ودون متابعة ودون تصحيح دائم دائب، فإن الأيام تحمل أخبارا سيئة.رحم الله عبدالله القاضي وناهد المانع وكل من قضى مغدورا على يد مجرم، ولا متاجرة بدمائهم الزكية، لكن أخذ عبرة وتنبيه متغافل وتصحيح مسار رسالة وفاءٍ للأرواح البريئة المغدروة، التي آلمت كل واحد منّا أشد الألم، هذا إن كانت الأحداث تؤثر فيمن يشرف على هذا الأمر.