لا تكسر الأسقف الزجاجية
قيل الكثير عن الترقيات والعلاوات، ومما يغذي الجدل المثالية التي تُدرس في الجامعات من أن الترقيات تذهب للأفضل وللأعلى أداءً. أما الواقع المُمارس فمختلف؛ ليقلب كل منكم حافظته محاولاً تذكر كم من المرات حظي الأفضل من بين موظفين يعرفهم بالترقية! ولا جَدَلَ في أن الأفضل يجب أن يحظى بالوظيفة أو بالترقية لوظيفة أعلى، ولكن هل الحديث هنا عن الأفضل على إطلاقه، أم الأفضل من بين المرشحين؟ أو ممن هو متاح؟ عملياً، فتكاد مقولة "ليس مهماً ما تَعرف بل مَنّ تعرف" تُلخص الكثير مما تعايشه سوق العمل.أما عبارة "الأسقف الزجاجية" فهي تورية للتمييز في بيئة العمل؛ وكم من المقابلات الشخصية عقدتها مع مهنيين، أطرح فيها سؤالاً يبدو تقليدياً ومتوقعاً وهو: لماذا تريد تركَ عملك الحالي؟ لتأتي لك إجابات متعددة، إحداها "السقف الزجاجي"! مثل: أرى أني أستحق الترقية ولا أنالها، أو تجمدت أو تكلست في كرسيّ، أو نقلت إلى وظيفة مساندة. فهل سعي الشاب في البحث عن مخرج لتجاوز "السقف الزجاجي" هو بأن يترك وظيفته؟ أم أن ذلك يعتبر انهزاماً وهروباً؟لكن التنافس على الوظائف أمر معقد بطبيعته، ففي وظائف الدخول، فما لدى المرشحين متقارب باعتبار أنهم حديثو التخرج، وتتسع الفوارق مع تراكم الخبرات وتبلور الشخصية بما فيها الكاريزما القيادية والقدرة على العمل ضمن فريق والإصرار على الإنجاز والنجاح في المهام. ويزداد التنافس ويأخذ "السقف الزجاجي" في "دق الرؤوس" مع صعودِ درجات الهَرَم. وفي دنيا المال والأعمال، فالتنافس يبلغ أشده على الوظائف التنفيذية العليا وتحديداً وظائف الصف الأول. والتنافس أشد ضراوة فيما بين موظفي الصف الأول؛ وبالأخص وظيفة الرئيس التنفيذي التي لها سحر آسر وهالة أخاذة عند الكثيرين، ليس في مجتمعنا فحسب بل في كل مكان.قبل سنوات طلب شخص مقابلتي لأمر، عندما تقابلنا وجدت أمامي شخصاً حقق الكثير مما يستحق أن يَسعد به، لكن الشاب كان حزيناً يختزن غضباً. وبعد رشفات من الشاي المُخَدر كشف أنه ليس سعيدا حيث يعمل، فعلى رغم تقييم رؤسائه المرتفع له لكنه لم ينل ترقية لسنوات، مما جعله يشعر بالغبن والاحباط، قائلاً: زملاء لي تجاوزوني وهم ليسوا أفضل تعليماً أو أداءً، وهذا ليس عدلا؟ سألته: ما الذي تعتزم فعله؟ قال: لست متأكداً، تتناوب علي الهواجس. قلت: هل أنت متأكد من خبرتك ومهاراتك وقدراتك؟ أجاب بصرامة: نعم. قلت: لكنك لا تتصرف بطريقة توحي بذلك. عارض ما قلت، فأردفت: من يدري فقد يأتي أحد كبار ملاك الأسهم بابنٍ له تخرج حديثاً ليرأس الشركة التي تعمل بها، فما الذي ستصنعه؟هناك أسقف زجاجية يسعى الموظف أن تفتح له بواباتها، فإن لم تفتح له، فعليه تفادي دخولها عنوة بكسرها مثلاً أو الارتطام بها، فهو إن لم يدخلها مدعواً ومرحباً به فستصبح بقية رحلته صعبة تعج بالعراقيل، ومع ذلك هناك من يسعى بكل أساليب الضغط الناعم والخشن ليتجاوز السقف، فيجد أنه وقع في مصيدة! الشاب الذي حدثتكم عنه، بعد جدل طويل اقتنع بأن يترك الشركة التي وضعت سقفاً زجاجياً يمنعه من الارتقاء الوظيفي، ليشاهد زملاءه المنافسين يصعدون السلم وهو ينظر، غادرها لشركة أخرى احتفت به كثيراً، وربطته بـ"صاروخ" أخذه لأعلى درجات السلم حتى أصبح رئيساً تنفيذياً (رقم1) في الشركة. وفي الأمس القريب، أتاني من زملائه من يشكو من السقف الزجاجي، فقلت له: هي الدنيا يوم لكَ وآخرٌ عليك، ابحث عن شركة تُحبُك كثيراً أو اجعلها تحبك، فإن فشلتَ فغادر؛ فالحب من طرف واحد لا يؤدي إلى نهايات مثمرة.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج