مقاصد الحج وممارساته
بعد أن انتهى موسم الحج بكل ما له وما عليه، وتخلصت الجهات الرسمية من عبء المسؤولية، التي تتحملها كل عام قبله في الاستعدادات له، وفي أثناء الموسم والشعائر والإجراءات المرتبطة بها؛ حان للجميع أن يتأملوا في الممارسات التي يقوم بها الحجاج، ويقارنوها بالمقاصد التي ربما كانت لهذه الشعيرة المتميزة في الإسلام.شيء من التاريخ لا بد منه، قامت به السلطات السعودية في جرأة محمودة بشأن الحج وتنظيمه؛ بدءاً من التفكير في تقليص الأعداد، وطرح فكرة تحديد نسب للبلدان الإسلامية حسب عدد سكانها، وتقوم سلطاتها المحلية بتنظيم طلبات الحج في كل بلد، لترسل بالأسماء المختارة في كل عام إلى سفارة المملكة العربية السعودية من أجل الحصول على تأشيرات الحج. كما منعت وزارة الداخلية حجاج الداخل (سواء أكانوا سعوديين أو من المقيمين في السعودية) من الالتحاق بالحج إلا بتصريح يمنح لهم الكترونياً بعد التقدم إلى موقع الوزارة، وتعبئة الطلب، ليتأكدوا أن طالب التصريح لم يقم بالحج في السنوات الخمس الماضية.لكن هل تكفي هذه الإجراءات الرسمية الروتينية؟ وهل منعت آلاف الحجاج من التسلل إلى مكة خلال الموسم دون حمل تصريح (إما لعدم أحقيتهم به، أو لجهلهم بضرورته من أجل التنظيم ورعاية جموع الحجيج الآتية من الخارج والداخل بكثافة)، أو محاولة التسلل وعدم النجاح فيها. وقد ضبطت السلطات المعنية بتنفيذ قرار وزارة الداخلية أعداداً كبيرة أرجعتهم لعدم حملهم التصريح، أو لكون المركبة غير مصرح لها بالدخول لأي اشتراطات تنظيمية من حق السلطات المنظمة فرضها. كما علق عدد منهم بالجبال المحيطة بمكة، ونقلت صور إنقاذهم بواسطة آليات الدفاع المدني، وتوفي بعضهم بسبب السقوط من المناطق الوعرة التي اختاروا سلوكها لضمان وصولهم إلى داخل مكة دون ضبط أي من السلطات لهم.فالأمر إذاً يحتاج إلى تثقيف فعلي لمعنى الحج ومقاصده؛ لا يكفي أن نعلن المقولات المسطرة في الكتب الدينية التي يعرفها الجميع، من أن الحج هو الركن الخامس في الإسلام، وأنه فرض على المسلم مرة في الحياة، وأن من أدى الفريضة دون رفث أو فسق عاد من الحج كيوم ولدته أمه، إلى غير ذلك من المحفزات، التي يعرفها كثير من المسلمين، بل ربما أضافوا إليها أشياء كثيرة من عندهم (اجتماعية وثقافية خاصة بالبيئة التي يعيشون فيها). فلا بد من التصدي لمقاصد الحج، وإيضاحها بطرق سهلة لا لبس فيها، ولا تقعر وتبريرات فقهية أو تراثية. وتكون تلك التوعية بروح عصرية، وتترجم بأساليب سهلة إلى لغات البلدان التي يقدم منها أعداد كبيرة من الحجاج. وأهم ما يمكن أن تحتويه طلب التفاعل مع أسئلة بديهية، مثل: ماذا تريد من قيامك بفريضة الحج (طبعاً عدا أنها الركن الخامس من أركان الإسلام)؟ فإذا استشعر الحاج أنه في رحلة روحانية، وأنه ليس بصدد إجراءات في سفر إلى مدينة بعينها، وأداء أعمال محددة فيها، فإنه ربما يحجم عن عمل ما يتناقض مع أهداف تلك الرحلة، مثل التسلل عن أعين السلطات، والكذب في بياناته أو بيانات المركبة التي يستخدمها، أو نوع التأشيرة التي يحملها. كما أن مثل هذا الإحساس ربما يخلص الحجيج من الأعمال المنافية للروحانية من التدافع في الأماكن المزدحمة، لأن كلاً منهم يريد أن يظفر بالمقدمة، وينتهي قبل غيره من أداء بعض الشعائر؛ وكأنه ليس من مقاصد الحج تنقية الروح، والخلاص من الأنانية وأن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك، هذا بالإضافة إلى فوائد أخرى كثيرة. فهل نحن فاعلون؟