هل التحرش بالموظفات جريمة؟
مَنّ يستغرب طرح السؤال أعلاه، فليقل ما هي عقوبة التحرش؟! وأضيف: هل التحرش أمر منبوذ اجتماعياً حتى ضمن الحلقات الداخلية للشلل؟ أم أنه يمثل مصدراً للتفاخر، بالتأكيد ليس ضمن المجتمع العريض، بل ضمن أفراد الشلة؟ وفيما نُفكر بحثاً عن إجابة، لا تفوتنا الإشارة إلى أن عدد الموظفات المواطنات يزداد، وأخذنا نسمع عن مضايقات على مستويات متفاوتة تتراوح في فداحتها، لكن يبدو أننا لم نهيئ الموظفين لاستقبال زميلاتٍ لهم. وبالقطع فإن من أسباب تهيئة بيئة العمل، تجنب الاحتكاك المباشر، فهو أمر خارج السياق الاجتماعي، وليس بوسع أي مجتمع أن ينزع قيمه بل يتعامل مع المستجدات بما لا يتعارض مع نظام القيم السائد، وهذا يعني تحديداً أن النساء المحجبات تحجبن في الأساس ليكون حجابهن حاجزا بينهن وبين الآخرين إلا بما أحل الله. لكن ماذا عن الآخرين؟ أليس متوقعاً منهم احترام ذلك، وعدم تجاوزه نظراً ولفظاً؟ ورغم أن التحرش ظاهرة عالمية، لكنه يعتبر تميزاً ضد المرأة، له صلة بالتنشئة؛ عندما لا تقوم الأسر بتعليم أبنائها كيفية التعاطي مع المرأة خارج محيط الأسرة، ولا حتى كيفية تعامل المرأة مع الرجل في بيئة العمل. إضافة لاستغلال الإعلام في منطقتنا العربية جسد المرأة بصورة إغوائية وإيحائية مثيرة لا تحترم المعتقدات السائدة ولا قيم المجتمع أو ثقافته المحافظة بطبيعتها.في السابق، كان تواجد المرأة يكاد أن ينحصر في قطاعي التعليم والصحة؛ في قطاع التعليم فالفصل تام؛ فللبنات مدارس خاصة بهن لا يعمل بها سوى الإناث، وفي قطاع الصحة فالأمر يختلف لاختلاف طبيعة الخدمة في المستوصفات والمستشفيات. لكن ما نراه الآن أن المرأة تعمل في نطاق أوسع، بما في ذلك في منشآت القطاع الخاص بما في ذلك محلات بيع التجزئة. والتحرش ظاهرة منتشرة عالمياً، وقد كشف أحد تقارير العربية نت أنه تم رصد نحو 3000 قضية تحرش عندنا، وبيّنت الدراسة، التي شملت 12 ألف موظفة من دول المسح، أن 16% من النساء العاملات في السعودية تعرضن للتحرش الجنسي من قِبل المسؤولين في العمل.وأظهرت دراسة مسحية شملت عدة بلدان أن نسبة التحرش هنا أعلى من الدول الأوروبية، فيما جاءت الهند على رأس القائمة بنسبة تصل إلى 26%، تلتها الصين بنسبة 18%. أما فرنسا والسويد فلا تزيد على 3%، ثم بريطانيا وأستراليا 4%. وأوضحت الدراسة الميدانية أن معظم الموظفات اللاتي يتعرضن للتحرش الجنسي المتعمد في العمل تقل أعمارهن عن 35 عاماً. وللعلم، فالدراسة كانت مسحية شملت آلافاً من الموظفات في أنحاء العالم، أعدتها شركة متخصصة لصالح وكالة رويترز.ونظراً لعدم توفر دراسات ميدانية ترصد هذه الظاهرة في مجتمعنا رصداً منهجياً، فلعل من المناسب الاطلاع على تجارب البلدان الأخرى؛ للاستفادة منها والبناء عليها مع مراعاة التفاوت والتباين والتمايز بين مجتمعنا وتلك المجتمعات. فقد أرجعت دراسات أجراها معهد أسباني متخصص بشؤون المرأة، فإن مرد استمرار ظاهرة التحرش هو أن 56% من المؤسسات التي تقع فيها الحالات لا تتصرف بجدية معها، ولا تصدر أحكاما رادعة ضد المعتدي إلا نادراً (%). وحسب استطلاعات معهد "سوليداد موريو" بين اللاتي تعرضن للتحرش، فان: 38% منهن يخشين التقدم بشكوى؛ لظنهن أنها ستعود ضدهن، 43% يضطررن التحمل والسكوت خشية فقدانهن لأعمالهن، وصنفت الدراسة المتحرشين؛ فحوالي نصفهم من زملاء العمل، و27% من رؤساء العمل، و23% من الزبائن.وليس من الدقة المنهجية اسقاط نتائج هذه الدراسات الغربية على مجتمعنا، لكن النقطة الأساس هنا أننا بحاجة لإجراء دراسات ترصد هذه الظاهرة؛ للتعامل معها من خلال وضع الإطار النظامي الكفيل بالتعامل الرادع معها، بما في ذلك عقوبات مقننة باعتبار أنها مخالفات لنظام العمل، وليس ثمة ما يمنع صدور تعديلات للنظام ولائحة تنفيذية لنسبة مخالفة التحرش والنظر فيها وإصدار حكم وإلحاق العقوبات الرادعة، ومع ذلك فليس ملائماً الاستخفاف بدور التثقيف والتوعية للحد من هذه الظاهرة المؤذية في مجتمعنا، الذي يسعى للاستفادة من موارده البشرية المحدودة.