د. فالح العجمي

أين أنت حتى أراك؟

تبعاً للمنطق الديكارتي: أنا أفكر إذاً أنا موجود، وما تلاه من فلسفات نظرية أو ذات أبعاد تطبيقية؛ وصل الحال فيها - منذ جان بول سارتر - إلى كون الحديث، وليس التفكير، هو أساس الوجود، وأن المرء يثبت وجوده من خلال منطقية خطابه ولغة حديثه.فاجأني صاحبي بقصاصة فيها هيكل تقريبي لمراحل تاريخ الحياة في اسبانيا، منذ نشأتها في تاريخها الأول، ووجود الإنسان فيها، وكانت تتمثل في ثماني مراحل؛ لخصتها القصاصة في سطر أو سطرين لكل مرحلة. فكانت الأولى للإنسان القديم في شبه الجزيرة الإيبيرية، ووصفت شعوب تلك الفترة بأنهم يرون أنهم نهاية العالم، وأنه خارج شبه جزيرة إيبيريا لا يوجد أحد مطلقاً، ولا أي شيء له قيمة. وفي الثانية عاش الإيبيريون في قرى متباعدة في شرق شبه الجزيرة (وهو الجزء الأكبر منها) بينما أنشأ الفينيقيون مستعمرات فيها مثل كادير (كادث حالياً)، ومثلهم أقام اليونان مستعمرات أخرى مثل إمبوريو (أمبورياس حالياً). وفي الثالثة أصبح الإيبيريون جزءاً من - أوجوستا (ميريندا حالياً) وهيسباليوس (سيبيّا حالياً/ إشبيلية في فترة الحكم الإسلامي) وتيراكو (تراجونا حالياً) في أماكن تواجد الرومان. ثم في الرابعة احتل المسلمون أغلب أجزاء شبه الجزيرة، فازدهر الإنتاج الزراعي فيما أصبح يعرف بالأندلس، وهو الذي صار أكثر الأقاليم تطوراً وقوة في أووربا. وفي المرحلة الخامسة طرد الاسبان المسلمين من شبه القارة الإيبيرية، وأصبح ملوكها كاثوليكاً، وازدادت قوة عسكرية وتماسكاً سياسياً. وفي المرحلة السادسة أصبحت أمريكا والفلبين، وبلدان أوروبية أخرى تحت سيطرة الإمبراطورية الاسبانية. وفي السابعة وصلت تلك الإمبراطورية إلى قمة الفساد، ثم بدأت في الانهيار، ولم تعد تتحكم سوى في مستعمرات بسيطة، مثل: كوبا والفلبين وبورتوريكو. وأخيراً في الثامنة لم يعد في اسبانيا أي حرية تعبير، وأصبحت الأخبار مقننة، وتحول آلاف من الاسبان إلى العيش لاجئين في الخارج.وعندما رأى اندهاشي من تلخيص تاريخ هذه البقعة في هذه الأسطر، قال: وأنتم - كونكم شعباً له تاريخ عريق - كيف كانت مراحل وجودكم في شبه قارتكم أيضاً؟ قلت له: الأمر لدينا أكثر تعقيداً من أن نلخصه في أسطر أو حتى صفحات أو أسفار.لكني - مع بالغ الأسف - أنقل لك أننا في العصر الحاضر نشبه - إلى حد بعيد - ما كانت عليه شبه جزيرتكم في المرحلة الأولى؛ إذ يرى التيار السائد في ثقافتنا أن حد العالم هو ما تحدده لهم ثقافتهم، فلا يرون حاجة إلى اكتساب معرفة بكيفية نظرة الأمم الأخرى إلى العالم. بالطبع اختلف الوضع بشأن المعلومات الجغرافية، وانتقال تقنيات الدنيا الحديثة إليهم، لكن اللب واحد، عندما يأتي الأمر إلى المحددات الجوهرية. فأصبح ممكناً أن يفكروا في أنهم أكثر العالم قوة، وأنهم يمكن أن يسيطروا على بقية العالم بشيء من المهنية وتدبر بعض الحكم القديمة في ثقافتهم، وأن ناديهم الرياضي أو فريقهم في أي لعبة من الألعاب يمكن أن يحقق البطولات العالمية، ليس لأنه تدرب أو يملك كفاءة متميزة؛ بل لأنه ينتمي إليهم فقط.صحيح يا صاحبي أن الأقوام الذين شكلوا المرحلة الرابعة في شبه جزيرتكم ينتمون إلى شبه جزيرتنا، وأنشأوا - كما تذكر هذه القصاصة - إقليماً مزدهراً، أصبح نموذجاً للحياة المتطورة في القارة الأوروبية؛ لكن البون شاسع بين الأوضاع الثقافية والاجتماعية من الانفتاح على جميع الثقافات في ذلك الوقت، والأحوال المتقوقعة فيها أفكارهم على ثقافتهم في هذا العصر. فهل تظن أن النتائج ليست متطابقة مع الأحوال التي تكون عليها المجتمعات؟ أما أنا فلا أظن ذلك!