نكاح أم فجور؟
تجد عند بعض مَن لم ترسخ قَدَمُه في العِلْم، ولم يُحْسِنِ التَفَقُّه تأففًا من أحكام النكاح والتعدد، ويكون في صدره حرج إن سمع أَنَّ مِن مقاصد الزواج العظمى -أو هو الأعظم- إعفاف كُلٍّ من الزوجين الآخر. هذه النزعة المغالية في الأنفة من ذلك وتعيير راغب النكاح من الجنسين أنه إنما يريد قضاء وطر... إلخ نزعة مأخوذة من الطوائف المتأثرة برهبانية النصارى والديانات الخرافية الشرقية، ومن عجب أن كثيرًا من هؤلاء يغلب على سلوكهم التهتك وعدم الاحتشام عما يقبح في مفارقة كثيرًا ما تلازم من لم يهتد بنور الوحي.أما من عرف الوحي فسيجد فيه: «ولو أعجبك حسنهن»، وفيه: «ما طاب لكم من النساء» في آيات مثلهن، وأحاديث كثيرة فيها إقرار مثل ذلك. كما سيجد أن الزواج والذرية من سُنة المرسلين، وأنَّ تَركَه بزعم التدين والانقطاع للعبادة بدعة بصريح حُكم للنبي -صلى الله عليه وسلم- عند البخاري في الصحيح وغيره. وإن كان تَرْكُه تدينًا وتعبدًا قبيحًا شرعًا؛ فإن تَرْكَه لغير ذلك أولى بالتقبيح، ومِن المعلوم المُشتهر أن الإسلام لا يتجاهل الغرائز والنزعات بأنواعها، ولا يكبتها، ولا يطلقها دون قيد. بل يجعل لها مصرفًا هي فيه كمال وممدحة، وفي غيره مذمة وإثم قد يستوجب العقوبة.أما بعد فإن ما سبق من توطئة مهمة لا تجعلني أتردد في استنكار عامة -لا جميع- صور النكاح المؤقّت تحت مسمى: المسيار أو المسفار أو بنية الطلاق... إلخ، وأرى أن مَن رسخت قدمه في العِلم، وأدرك مقاصد المُشرِّع في أبواب النكاح، ومِن بَعْد ذلك إيماءات الشريعة، ثم علم الواقع وفَقِهَه وتبصّر في المآلات سيجزم بأن غالب صور تلك الأنحكة غير شرعية وإن وجدت فيها صورة النكاح، وأَنَّ مَنْعَها إما أصالة، أو -في أدنى الأحوال- منعًا لوسائل الشر والمنكر والإضرار والظلم بأنواعه هو القول الأصح أو الأرجح.لقد بلغ التوسع في ذلك مبلغًا عظيمًا، وقد سَمِعَتْ أذني ووعى قلبي -قبل سنوات- مَن يقول مُسِرّاً: إنه تزوج أحد عشر مرة مسيارًا في مدينته التي يسكن فيها. هذا وأنا معلن لاستنكاري لذلك وتشنيعي فيه إلا في حالات مُحرّرة مُحددة فلا يُخاض معي فيه عادة، فكيف بمن يخوضون في ذلك وقد يستملحون الحديث فيه؟ لا بد أن عندهم أعدادًا أكبر وعجائب أكثر، ومنه ما ذكر لي أحد الأصدقاء الأقارب من حالات واعترافات لحظها أثناء عمله خارج المملكة مدة طويلة. كما أنّه قد نُشرت في الصحافة مزاعم عن تعدد الأزواج، وغيرها من القبائح.فيا أيها الزوج أو الولي إن من أبرز الفروق بين النكاح والسفاح الإعلان في كل زمن بحسبه، وذلك لتُعْرَفَ الأنساب، وتثبت المواريث، وتُدفع الرِّيب، ويُشهد على المحرمية، وتُكرّم المرأة، ويُصان عهد الرَّجُل... إلى غير ذلك مما لا يخفى، ومما يَفُوتُ بعضُه إذا توسع الناس في الاستخفاء والاستتار حتى إن بعضهم -ذكورًا وإناثًا- لا يجد أشدّ على نفسه مِن أن «يفتضح أنه تزوج».وهذه الجملة الأخيرة كافية لِمن أراد الله تعالى به خيرًا، وهو سبحانه من وراء القصد.