المتاجرة بالـ «نفسية»
بلغة وردية، وألفاظ عذبة، وتمايل لطيف، ولسان جميل، وحياء جمّ، وكلمات ساحرة يدعوك لتكون نفسيتك مرتاحة مطمئنة يجب أن تكون لينا طيبا متعاونا، لطيفا، قنوعا، متسامحا، متصالحا مع نفسك والغير.. وحين تذهب لعيادته فأول ما يسألك عن فاتورة الكشف المبالغ فيه هل دفعته أم لا.. ولو نقص ريال لوجدت شخصا آخر غير الذي رأيته في الشاشة لا يهمه إلا أن تدفع فقط.. تسأله عن خطابه البرجوازي الناعم يقول لك لكل مقام مقال.. ويضحك من قلبه لتبكي أنت قهرا.عدد كبير من المراكز والعيادات الخاصة ينتشر في عدد من مدن المملكة والتي تختص بالصحة النفسية والتطبيب النفسي.. ولا شك أن سوقها الكثيف يتركز في المدن الكبيرة كالرياض وجدة والدمام ويمارس تلك المهنة عدد كبير من الأطباء النفسيين والمعالجين سواء من المواطنين أو الوافدين.. ويعتبر الرجال أوفر حظا في ممارسة تلك المهنة والتصدي لحالاتها.أما ما يخص هذا المجال على المستوى الرسمي فهو واقع يحتاج للتوقف من حيث عدد المستشفيات المفروض وجودها، أو من حيث الخدمات المقدمة، وأحوال التكدس للمرضى والمراجعين، ومعاناة طالبي مثل تلك الخدمة الطبية الصحية النفسية.وزارة الصحة بإمكاناتها ومقدراتها وميزانياتها الضخمة تقوم بعمل كبير فيما يخص الصحة الجسدية ومع ذلك لديها الكثير من الاشكالات.. فما بالنا بواقع الصحة النفسية الذي نتمنى على وزارة الصحة تحقيق واقع ايجابي، ومواكب، وفاعل، وحثيث كما هو الحال في واقع الصحة الجسدية.. ويكفي أن أمر الصحة النفسية يرتبط بإدارة عامة تحتاج للمساندة المباشرة من الوزير الموقر.أعود للواقع التجاري والخاص في مجال التطبيب النفسي الذي يشهد زخما كبيرا، ونموا عجيبا وإقبالا كثيفا معظمه من النساء.. وحين تسمع بعض الحكايات عن مثل تلك المراكز تقتل كل أحلامك بالشفاء لمن يحتاج الشفاء.. حيث إن معظمها سلك فلسفة التجارة، والتسويق لخدماته، وتناسى حاجات الناس الإنسانية.. وأصبحت وأمست مثل تلك المراكز والعيادات والأطباء النفسيين وأشباههم في دائرة شهوة الربح والتكسب.. فالمريض النفسي وصاحب الحاجة سيدفع ما يمكن وما لا يمكن ليجد علاجا قد يوفره هذا المركز أو ذلك الطبيب به.من هنا حدثت فوضى المتاجرة بنفوس، ونفسيات المرتادين في ظل تواضع المتابعة الصادقة والأمينة من قبل الجهات المسئولة عن تراخيص مثل تلك المراكز، أو تصاريح هؤلاء الأطباء.. وفي ضوء عدم الضبط والانضباط الذي خلّفه إهمال الرقيب الحسيب.في الواقع تذهب المرأة لطبيب أو مركز نفسي تسمع قصصا عن حدوث بعض التجاوزات الأخلاقية، وعبث بمشاعر الناس، وأحوالهم، والعزف على وتر حوائجهم.. سمعت عن اختلاءات غير مشروعة في عيادات قد تخلو إلا من مريضة وطبيب.. بل أحيانا يرفض طبيب ما أن يدخل زوج أو أخو المرأة أو والدها بحجة الجلسة الخاصة.. وبعضها لا يوجد ممرضات حين توصد الأبواب.ومراكز تستقطب أطباء ومعالجين الله اعلم بتخصصاتهم ومصداقية شهاداتهم فقد ذكر لي أن بعضهم يأتون من تخصصات أخرى كالأعصاب ويأخذون دورات لمدد بسيطة ويأتون كأطباء نفسيين.. ويتركون لهم مساحات شاسعة للتطبيب الجاهل.. وافد يأتي من بيئة غريبة ويسمع لمريض أو مريضة من بيئة مختلفة تماما ويبدأ يمارس قناعته وفكره الجشع أكثر من طبّه.. ويمكن انه لا يستطيع أن يقدم حلولا بسبب اختلاف البيئة والواقع الاجتماعي.مراكز وأطباء يعكسون فلسفة الطب النفسي في العالم بحيث أن يبدأ المعالج النفسي الذي يتعامل مع الجزء المعرفي والسلوكي ويكون الطبيب الذي يستلم الجزء العلاجي العضوي أو الدوائي ضمن فريق التطبيب.. «لدينا حدّث ولا حرج عندهم الكي هو أول الدواء» أي الدواء قبل المعالجة النفسية.. وهذا ما فهمته من مختصين في هذا الأمر.اعلم أن المواطن ثقافته ضئيلة ووعيه قاصر فيما يتعلق بالتعاطي مع احتياجاته النفسية والصحية وقد يستغل بسهولة لذا علينا الاحتراز وعدم الانسياق وراء مظاهر خادعة دون سؤال وتيقن.. ويجب على المواطن إن حدث أي إهمال، أو تجاوز، أو خطأ أن يبادر إلى الشكوى للجهات المسئولة أو حتى الإعلام.. وأدرك أن واقع الصحة النفسية الذي يرتبط بالمراكز التجارية والعيادات الخاصة والأطباء النفسيين هو واقع يحتاج إلى كشف وتشخيص حقيقي ومراجعة لكافة إجراءات التراخيص والمتابعة والتقييم. ختام القول: يجب أن يعاد النظر في تلك الرسوم والتكاليف القاتلة لخدمة الصحة النفسية عند بعض المراكز.. كما لا يجب أن يترك أي طبيب، أو معالج يمارس ما يشاء فإن اخطأ لا مشكلة وإن أصاب طالب بأكثر من حقه، ويجب التأكد من أهليته للتطبيب وشهاداته المعتبرة.. وأجد أن وزارة الصحة يجب أن تعطي هذا الجانب قدرا من الضبط والمتابعة وربط ملف ذلك بالوزير نفسه كما هو متبع بالصحة الجسدية.. كما يفترض أن يكون هناك تفتيش دائم، ومتطلبات رقابية كإلزام وجود ممرضات في حالات الجلسات، أو دخول ولي الأمر للمرأة، أو وضع كاميرات لمراعاة الجودة، ولتحقيق الأمان الأخلاقي.. ولا عيب في ذلك.. وقبل ذلك كله ليراعِ كل طبيب وصاحب مركز نفسي أمانته وعهده مع الله عز وجل.