د. فالح العجمي

الشرقية غير.. بعد أربع سنوات

ربما تمر الأخبار على الناس كالمعتاد؛ أخذ العلم بها، وقد يتناقشون بشأنها أو يشككون في مصداقيتها. لكن هناك أخباراً ليست كالأخبار؛ عندما توضع خطة عملية لإنشاء سكك حديدية على ضفاف الخليج، من شماله إلى جنوبه، فإن تلك الاستراتيجية غير اعتيادية. والغريب هو قلة التفاعل معها في المنطقة الشرقية، التي سيكون لها النصيب الأكبر من طول هذه الشبكة الرابطة بين البلدان الخليجية من الكويت إلى عمان. وفي هذا الشأن نقلت وسائل الإعلام اهتماماً بالبنية التحتية للمناطق التي ستمر بها هذه الشبكة في كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان؛ بل إن الإمارات قد شرعت في تجهيز الجزء من الشبكة، الذي سيمر بأراضيها، وهو الأكثر طولاً بعد الجزء الخاص بالمملكة العربية السعودية، وسيكون محاذياً للخليج في المنطقة الشرقية بامتداد مدنها الرئيسة (الخفجي - الجبيل - الدمام (الخبر) - بقيق - الأحساء).فهل يعي سكان المنطقة الشرقية ذلك البعد الحيوي الاقتصادي والسياسي لمدّ هذه السكك الحديدية الرابطة بين مناطق الساحل في شريان الطاقة العالمي من جهة، ودور هذه الخطوة أيضاً في الربط الاجتماعي والسياحي والتجاري بين شعوب بلدان الخليج من جهة أخرى؟ علماً أنها ما فتئت تتذمر من قلة الجهود الحكومية في كل بلد على حدة، وكذلك من قلة الاستفادة من مجلس التعاون الخليجي، الذي زاد عمره على ثلاثين عاماً؛ فيما لم يحقق لهم سوى تنقل مواطني هذه البلدان بالبطاقة الشخصية واتحاداً جمركياً غير مكتمل.وحسب ما أعلن من خطط لبناء هذه الشبكة، فإنها ستكون مكتملة في سنة 2018م، أي بعد أربع سنوات من الآن. فهل استشعر أبناء المنطقة الشرقية الفرحة بهذه النقلة في وسائل المواصلات الآمنة والرخيصة (ليس فقط لتنقل المسافرين، بل أيضاً للشحن وتقليل الضغط على طرق السيارات المزدحمة أصلاً، خاصة في الإجازات والمناسبات المختلفة، وكذلك التخفيف من المخاطر التي زرعتها الكميات الكبيرة من الشاحنات على تلك الطرق، مما أودى بأرواح كثير من الناس، أو عرّضهم لحوادث مؤسفة)؟تحدثت مع عدد من المواطنين العمانيين، وكانوا شديدي اللهفة على الانتهاء من تلك الشبكة، إذ لن يكونوا حينها مضطرين إلى الاختيار بين السفر جواً، أو تكبد مشاق السفر بالسيارة في طرق طويلة وخطرة، ومروراً بمراكز حدودية لم تلغ اتفاقات مجلس التعاون كثيراً من تعقيد إجراءاتها، خاصة فيما يخص النواحي الجمركية بين بلدان المجلس، رغم وجود ذلك الاتحاد الجمركي، الذي أعلن عنه منذ سنوات. وسواء كان العمانيون أو الإماراتيون يرغبون في الحج أو العمرة، أو في زيارة أي من مناطق المملكة العربية السعودية، أو حتى المرور منها إلى قطر أو البحرين أو الكويت، فإن وجود قطارات منتظمة ومريحة، يجعل السفر ممكناً، حتى لمن لا يقود السيارة من صغار السن أو العجزة أو النساء. هذا بالإضافة إلى إمكان شحن السيارة على إحدى عربات الشحن، والانتقال براحة في إحدى المقطورات، ثم استخدام السيارة بعد وصول الراكب إلى مقصده.وستكون هذه الشبكة ميزة للساكنين في أي من مدن المنطقة الشرقية، في سهولة الانتقال من شمالها إلى جنوبها أو العكس، أو الانتقال إلى أي من بلدان المجلس المجاورة. وكنت قد كتبت في مقالة سابقة، أن مسارات الأنهار وسكك الحديد هي الشرايين الحقيقية لحياة الأمم في العصر الحديث، لكونها توفر التنقل المنتظم الآمن، والوسيلة الأفضل لانتقال البضائع بيسر وأمان. وعسى أن ينجح أبناء المنطقة الشرقية في نشر ثقافة هذا التحول الحضاري.