عبدالعزيز اليوسف

الوطن لا يثمر في منبت الكذب ..!

حديث الوطن يبدأ من الأمانة وينتهي بالصدق ليستقر في الحب، وغير ذلك هو حديث هوى، حين تسمع بعضهم يتكلم عن الوطن ووجوب محبته تشعر أن وطننا يخلو من الشيطان، وحين تتابع قصص بعضهم تجده يلبس ويخلع ألف قناع، ليكون من أعداء الوطنية في الداخل.عقاري يحبس أرضه ليرفع سعرها على المواطن، وآخر يحتكر سلعته ليبيعها بأغلى الأثمان، والآخر يستخدم طريقا غير مشروع ليكسب مناقصة، وغيره لا يراعي أمانته في عمله، وهناك من يغش في بضاعته، وغيرهم كثير ثم يتحدث مثل أولئك عن أعداء الخارج.وتجار متنوعون يحتكر بعضهم سلعته ليرفع سعرها، ويستفيد من مواسم، أو غياب رقابة، أو تواضع متابعة فتعلو أسعارها كما يريد، يخفض بكيفه ويعمل تنزيلات بمزاجه، ويقسطون بضاعتهم بما يشتهون، يبررون بأكاذيب مؤقتة، وظروف طارئة تنتهي أم لم تنته تلك الظروف، السعر مرتفع مرتفع.تذكرت مشهد ذلك البائس، وهو يضج في كل مجلس بالوطنية وحب الوطن وحين فرغ من حديثه الساخن، مال على أبو فلان وقال: بودي طال عمرك إجازة أمومة لزوجتي، رد عليه فلان اخبر ما عندك صغار ابتسم مصفرا، وقال: ودها ترتاح كم شهر من الشغل، ومالنا إلا كذا رد: هذه كذبة على الوطن. قال: لا تدقق طال عمرك الوطن ما تضره إجازة أمومة لزوجتي، فأخذ فلان ورقة وكتب: «الوطن لا يثمر في منبت الكذب» وألصقها على جبين الثرثار الوطني.ومر ببالي ذلك الموظف الكبير الذي ترك حاجات وطنه ليتفرغ لحاجاته الخاصة، فكان مكتبه الرسمي منطلقا لكثير من مصالحه الشخصية، ورفع مستوى هيبته وسطوته بين الناس، فتجده يقدم سلطانه الوظيفي على قيم الوطن وخدمة المواطن التي وضع من أجلها، بل لم يكتف إلا بالتعقيد والتعطيل إلى أن يذهب مع الريح عفوا مع التقاعد أو غيره، وذلك الذي يتحدث عن الفساد الكبير وهو أيقونة في الفساد الصغير بل ومعبر للفساد الكبير من حيث يشعر أو لا يشعر، سؤاله لماذا فلان يفعل كذا أو يأخذ ذلك أو يحوز على ذلك أو لديه ذلك؟، وحين تمر عليه فرصة صغيرة تجده أول المندسين في ثقوب الفساد.وعجبت لذلك الذي لديه ثلاثة بيوت ويطالب بسكن، ولديه وظيفة ويتمنى «حافز» ويصرف عشرات الآلاف في سفرة له ثم يتحدث عن راتب ضعيف، وعجبت من ذلك المواطن الذي يريد راتبا بلا عمل، وخارج دوام دون حضور، ومقابل انتداب من غير ذهاب، ومنصبا دون عمل، وشهادة عليا أو دنيا دون دراسة، وعجبت من ذاك المواطن الذي لديه تأمين طبي ويحاول ان يعالج أخاه او ابن عمه على حساب تأمينه، واستغربت من ذلك المواطن المسؤول عن عمله وهو يقدم قريبه ويتشفع لصديقه "باسم ثقافة الفزعة على حساب الأمانة والنظام" فيمرر معاملته الناقصة دون اعتبار لمواطن قبله أو ينتظر دوره، وعجبت من الآخر الذي يبرر لفساده الصغير بفساد غيره الكبير، فما دام غيره يفسد فلا بأس ان يفسد فيردد مثلي مثل غيري، وهو يرى أنه لم يأخذ إلا القليل مقارنة بالآخر، أين دينك وأمانتك قبل وطنك؟، أليس كل امرئ بما كسب رهينا.من يتغنَ بالوطن والخوف عليه يكفه أن يكون مواطنا صالحا، وإيجابيا، ومبادرا للصلاح والإصلاح، ولا يمكن أن يجري في دمه الفساد والإفساد ويزعجنا بتعريفات للوطنية، «يرن ويطن ويشن»، لكننا نراه يتلقط الفرص، ويتصيد الأمور ليكسب، ويربح باسم الوطنية فلا يبالي بمواطن أو وطن، الوطن يا سادة يسمو بالدين أولا وبقيّمه الفاضلة كالأمانة والصدق ومحبة الخير للبلاد والعباد، ولنتذكر دوما أن ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله وأعانه على كل خير - يكفي أنه يحمّل كل مسئول ذمة التعامل مع المواطن ومع مسؤولية عيشته الرغيدة وألا ينقصه شيء، من يحب الوطن عليه أن يبدأ بنفسه ويمنعها من أي مخالفة أو إفساد، وليصدق في بنائه وصلاحه، فالوطن لا يطهر إلا إذا تطّهر من أهل الفساد الصغير الذين هم مطايا أصحاب الفساد الكبير.