حسن السبع

الكتاب لا يُقرأُ من عنوانه أحيانا

من قال إن الكتاب يُقرأُ من عنوانه؟ هذا واحد من الأمثال التي تحتمل أكثر من قول. هنالك عناوين زئبقية مراوغة لا صلة لها بالمتن ولا بالهامش، وغالبا ما يقع قُرَّاء العناوين فريسة سهلة لها. خذ أناقة الخارج على سبيل المثال، فهي قد لا تدل على ما يحتويه الداخل، وقد تصادف على أرض الواقع، أو تشاهد على شاشة التلفزيون شخصا "مالي هدومه" كما يقال. وما أن يفتح فمه حتى يسقط من شاهق. فيصدق عليه قول الشاعر: "رأيتك برَّاقاً حسبتك فضة. وأنت رصاص ما عليك جديد"! أراد أحدهم أن يشتري سيارة، فاستشار ابنه في ذلك على اعتبار أن الشباب أدرى بهذه الأمور من الكبار، ذكر الأب لابنه نوع السيارة التي ينوي شراءها فاعترض الابن قائلا: «هذه السيارة لا تليق بك يا بابا»! وشرح الأب لابنه أن السيارة جديدة أولا وعملية ثانيا واقتصادية ثالثا.. فما المشكلة؟ قال الابن: "الناس لا ترى الأمور بهذه الطريقة، نحن نعيش في مجتمع مفتون بالمظاهر.. قل لي ما شكل منزلك أو سيارتك أو ساعتك أقل لك من أنت"!حاول الابن أن يذكّر أباه بسطوة الأحكام السطحية والانطباعات الأولى، وغَلَبة المظاهر وتغلغلها في حياتنا الاجتماعية، وأن الناس هنا تعيش في العناوين، وعلى العناوين، وإذا كنت في روما، فلا تكن مثاليا، وافعل ما يفعله الرومان. ابتسم الأب قائلا: لكن "الرومان" هنا يفعلون أشياء كثيرة غير حضارية فهل نجاريهم؟ أراد الابن أن يقول إن الأشياء تزيننا في عيون الآخرين، وأراد الأب أن يقول نقيض ذلك، أي اننا نزين الأشياء، ونضفي على ما حولنا جمالا خاصا.ولتوضيح وجهة نظر الأب يمكن طرح السؤال التالي: ما الذي يعطي أهمية لنظارة أو صندل المهاتما غاندي فيعرض في مزاد علني بمدينة نيويورك، وتسعى الحكومة الهندية جاهدة لوقف ذلك المزاد واسترداد متعلقات زعيمها باعتبارها تراثا وطنيا؟ كم عدد النظارات والصنادل الفاخرة لأولئك الذين عاصروا المهاتما غاندي ورحلوا بنظاراتهم وصنادلهم دون أن يلتفت إليهم أحد؟ الحياة ليست شكلا، وقد نبني، على سبيل المثال، مطارا ونباهي به بلدان العالم من حيث الفخامة والضخامة والأناقة، ولكن العبرة في "فخامة" الخدمات التي يقدمها المطار للمسافر من حيث انتظام الرحلات، وتسهيل الإجراءات، وتوفير مرافق وتسهيلات تخدم المسافر، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن بقية مرافق الخدمات الأخرى، لكننا مجتمع مهووس بالأكبر والأضخم من كل شيء، للدخول إلى موسوعة جينيس شكلا، والخروج منها مضمونا.هذه ليست دعوةً لإهمال العناية بالشكل، أو اقتراح الذهاب بالبيجاما إلى مقابلة شخصية من أجل الحصول على وظيفة. فللشكل تأثيره الإيجابي أو السلبي على من يرانا لأول مرة، ولا يستطيع أحد الادعاء بأنه قد تخلص من سيطرة "الانطباع الأول" في حكمه على الأشخاص والأشياء، تلك غريزة بشرية، وللوصول إلى أحكام موضوعية يجدر بالمرء عدم الاكتفاء بقراءة العناوين ومحاولة استشراف ما وراء بعض الأقنعة الاجتماعية، وعدم الانبهار بالمظاهر الزائفة.ربما تجدر الإشارة في هذا السياق إلى رواية فيكتور هوجو الشهيرة (أحدب نوتردام) التي أراد، من خلالها، أن يذكّرنا بأن الجمال هو جمال الداخل، فقد كان شكل الأحدب قبيحا لكن روحه ترشح نبلا وجمالا، وكانت عاهته جسدية ولم تكن عاهة أخلاقية.