تنشد عن الحال .. الحال فلة!
يتأمل المرء في حال شبابنا؛ بين طموح في وظيفة أو أوضاع دراسية مريحة، وبين مشادة مع الأفكار المتطرفة هنا وهناك، فيكون بذلك وصف الأحوال العامة لفئة الشباب من أصعب الأمور تصنيفاً وتحليلاً. كما أن معرفة عمق الحالات التي ينساقون إليها ليست واضحة المعالم، لأن تحولات كثيرة وتقلبا في المزاج يحيط بهم في كل حين.هل الأمر خاص بعصرنا الحاضر؟ أم هو سمة لشبابنا على وجه الخصوص ويختلفون فيه عن بقية شباب المجتمعات الأخرى؟ في الواقع المتتبع لأوضاعهم لا يمكنه الإقرار بأن أمورهم تشبه كثيراً من أقرانهم في الثقافات المتقاربة معهم، أو البعيدة عنهم نوعاً ومكاناً.لن أتحدث عن التناقضات الصارخة، التي لن يعدم القراء لها أمثلة، ما تنوء به ساحات الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يلوع القلب حرقة، ويدعو إلى الأسى وجوده؛ أمثال: "أحب الصالحين ولست منهم"، أو تلك النماذج التي تنفجر تطرفاً. فإذا تابع أحدهم بعض ما يقولونه، أو يكتبونه في حساباتهم، وجد العجب العجاب من تناقض فجّ، ومخالفة لكل المبادئ التي يبالغون في تلميعها والذود عنها، والادعاء بأنها قمة الكمال والمثالية والواقعية أيضاً.ما نتحدث عنه هي تلك النماذج الرمادية، التي ليس لها طعم ولا لون ولا رائحة؛ تأخذ من كل سوأة أقبحها، ومن كل اتجاه أكثره رداءة، وليس لها مسار واضح، ولا مبدأ تتبناه وتعرف أهدافه ومرماه. من تلك النماذج شاب أفجعتني سوقيته في الردود على بعض من يتواصل معهم، والألفاظ التي يستخدمها دون داعٍ مع أناس يبدو أنه لا يعرف عنهم شيئاً، وليس بينه وبينهم وشائج تواصل. وعندما أردت التعرف على عقليته أكثر، ودخلت حسابه في تويتر، وجدت أن الفاجعة أكبر؛ فهو مبتعث من برنامج خادم الحرمين الشريفين، وعلى وشك الانتهاء من دراسته في البكالوريوس في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يترك أحداً إلا وطلب التواصل معه لإرشاده في كيفية الحصول على استمرار البعثة لمرحلة الماجستير. مع ذلك كانت الألفاظ التي يستخدمها من شاكلة : "كل تبن!" لمن يختلف معه في الرأي، كما أنه يطلب من أناس يعتقد بقدرتهم على مساعدته أن يضيفوه، ليتواصل معهم على الخاص، وفي الوقت نفسه يرفض - حسب إفاداته في حسابه - التجاوب مع من يطلب منه أن يضيفه لأسباب أخرى.فهل هذه النماذج هي ما تسعى وزارة التعليم العالي إلى جلبها إلى سوق العمل المحلية، بحصولها على وثائق ورقية، لا تغير من سلوكها وثقافتها شيئاً؟ إذ إنه ما لم تصقل البعثات عقول المنخرطين فيها، فليست هذه المستويات، التي يطمح إليها مؤيدو استمرار الابتعاث إلى الخارج، وما لم تمنحهم انفتاحاً نحن بحاجة ماسة إليه، فإن المعلومات ليست ما تنقص البلد في هذه المرحلة. فالأشخاص المشتتون من مثل حالة هذا الشاب ليسوا من ذوي المردود الإيجابي في البناء والتنمية، ولا يمثلون أوضاعاً طبيعية وسوية؛ فتكون قابليتهم للإبداع في التخصص محدودة جداً.لذلك أرى أن تستبدل ببرامج جامعة الإمام لتوعية المبتعثين - إن كانت لا تزال موجودة – دورات فاحصة؛ تركز على جوهر الإنسان وقدراته، فضلاً عن متطلبات البعثة ودرجاته. كما أتمنى أن تجري المتابعة في الملحقيات التعليمية في كافة البلدان التي يوجد بها مبتعثون، كي تعرف تلك الإدارات والمؤسسات التي ابتعثتهم مدى انسجامهم، بل وتطور مستواهم الإنساني قبل العلمي، كيلا نكرر تخبطات الصحوة، التي مازلنا ندفع ثمن التراخي في الانتباه إلى خطر تسللها إلى الشباب.