النجاح يتطلب ترك المشاعر جانباً
كنا في الجزء الأول من هذا الموضوع قد تحدثنا عن الخطط النظرية والاستراتيجيات، ونستعرض الآن ما كان قد باح به فريق العمل الإداري واللوجستي المحيط بهذا القائد وعناصره المنفذة؛ فقد أوضحوا أن هناك عملاً ميدانياً جباراً كان يجري في كواليس التهيئة والإعداد، أولاً من أجل حصر كل العراقيل التي قد تعترض سلاسة العمل وتنفيذ المراحل المختلفة، وثانياً من أجل تأسيس أواصر التواصل المستمر، الذي بدونه لن يتمكن القائد من حل المعضلات ومشكلات سوء الفهم، التي قد تنشأ بينه وبين أحد العناصر، أو بين عناصر الفريق أنفسهم، أو حتى العاملين في مكونات الدعم المساندة. وبدون حل تلك العراقيل لن يحصل تقدم في التواصل، كما أنه لا يمكن إبعاد قضايا سوء الفهم إلا من خلال تواصل سريع ومباشر ودائم. وأوضحوا أن إدارة المجموعة كانت تتم بواسطة ما يسمى «الطغيان الناعم»، والذي تتمثل طريقة تنفيذه في تحويل هرمية اتخاذ القرار إلى سلسلة أفقية مسطحة، وهو ما يتطلب أيضاً توزيع المسؤوليات. وبالطبع يلتبس مفهوم توزيع المسؤوليات وإشراك مفاصل العملية في اتخاذ القرار مع فكرة نمطية لدى شعوب العالم الثالث، بأن القائد يفتقر في تلك الحالات إلى القدرة على اتخاذ القرار الحاسم. وهي بالطبع ليست صحيحة؛ فعندما تُعرض كل الحجج، وتستنفذ التعليقات والآراء المتعلقة بالتنفيذ وخياراته من العناصر المشاركة في النقاش، يعمد مدير الفريق إلى وضع القطار على السكة، التي يرى أنها الأنسب من خلال ما تبين من مشاركات البقية وملاحظاتهم. أما أن يكون أي مشروع أو عمل بلا قيادة، فيعني أنه لن يسير قدما في الطريق الصحيح، وبطريقة إيجابية ومستمرة. كما ذكروا بعض أمثلة تتعلق ببعض اللاعبين ومشكلاتهم النفسية أو الاجتماعية المحددة، التي تتطلب من قائد الفريق أو من يساعده الإسهام في حلها، أو التعاطف مع ما لا يوجد له حل؛ أو ما يتعلق بالمدير الفني نفسه، وتجاربه السابقة في مباريات أخفق فيها في بطولة كأس العالم التي سبقتها في جنوب أفريقيا، خاصة مباراتهم مع إيطاليا التي أخرجتهم فيها من تلك البطولة. وبيّنوا أن التعامل مع كل تلك الحالات كان ينطلق من مبدأ عام تم تطبيقه باحتراف؛ هو أن النجاح يتطلب ترك المشاعر جانباً، وعدم ربط المؤثرات النفسية والاجتماعية بما يتم تداوله، أو تطبيقه في الميدان في ذلك الزمان والمكان، ومع الأفراد أو المكونات الأخرى ذاتها، وليس ما تمثله في التاريخ، أو تستدعيه الذاكرة من حالات سابقة. ويبدو أن تطبيق هذا المبدأ كان ناجحاً في صرف النظر عن بعض المؤثرات، التي تؤدي عند الاستسلام إلى درجات من التخوف أو الخذلان، أو حتى عدم الإيمان بالنفس بالدرجة الكافية لتحقيق الإنجاز. لكن ذلك البوح كله يهون أمام ما لم أتوقعه في سياق كروي على الإطلاق؛ وهو ما كان متعلقاً بأطر التفكير الإبداعي، الذي تتقاطع خطوطه مع ما يمكن أن يضعه الاستراتيجيون في كل مرحلة. وقد تعددت أشكاله من إعداد المقرات بأيدي الشباب الألماني المساند وتجهيزها، ثم خيارات التعامل مع الوجبات ومن يعدونها بطريقة تشعرهم بإمكان تحقيق البطولة، حتى قبل مراحلها النهائية، وهو ما يسهم في ارتفاع الروح المعنوية، وغير ذلك مما يصعب استعراضه في هذه المقالة. وأختم بما كانت تقوله المستشارة الألمانية، عندما سئلت عن سر نجاحها في الحقل السياسي: «سرّ نجاحي أني أقف بكلتا قدميّ على الأرض، وأحاول أن أبقى قريبة قدر الإمكان من الحياة»!