سأحاول ألا أبكي!
ليست المخدرات وحدها تغيب العقل وتفتك بالوعي وتخلط الوهم بالواقع. حتى التفاؤل المفرط والمديح الباذخ يؤديان إلى نفس النتيجة. في هذه الأيام يستعد الشعراء لضبط «الحركات» في قصائدهم الوطنية، ويرتب المنشد والمغني الجدول المزدحم ليترنم بقصائد القوم، ونجم الكرة و«الفنان» كل منهم قد علم موقعه من خارطة الاحتفالات. وبالمقابل فهناك جمهور كبير يريد أن يحتفل بهؤلاء ومعهم. لا أشكك في وطنية وحسن قصد واحد منهم، لكن ما يجمعهم هو أنهم يمثلون أدوات تسلية و«تعطيل» مؤقت للوعي، ونسيان لتحديات الواقع، ولذلك فلا عجب أن تبرزهم ثقافتنا وحدهم تقريبا عندما يكون الكلام عن الوطن. فلا يكاد يوجد مساحة للطبيب الحاذق، ولا للمكتشف المتميز، ولا للداعية الفقيه، ولا حتى لتحفيز الشباب ليهزوا رؤوسهم – لا أبدانهم - لتتساقط الأفكار السالبة والروح الاتكالية...الخ. يوجد قصائد وخُطب وبإسراف ربما!لدينا كل الحق في أن نفخر ببلدنا المملكة العربية السعودية دينا ومكانا ومكانة وأصلا وهوية، وتقدما، وكرامة للإنسان.. إلخ لكن إذا تجاوزنا ذلك إلى واقعنا فإن مرارة تعترض في الفؤاد، وألما يخفق بين الأضلاع. أرى ثروات هائلة تنفق وأثرا محدودا جدا يدرك، نستهلك هذه الثروة بشكل هائل لتتبخر وتترك لنا مشاريع معطلة أو منجزة بجودة متدنية غالبا دون توطين للتقنية والتجربة عموما، وأجد المواطن غالبا يحلم بتملك سكن لائق؛ ليصحو على واقع مؤسف في هذا الجانب. وليجد تعليما ضعيفا يفرز جيلا نسبة كبيرة منه لا تدري ولا تدري أنها لا تدري! ويتعامل مع منظومة صحية متهالكة حقا وهي في ريعان شبابها! حيث يموت بعض المراجعين - كما ماتت شقيقتي رحمها الله - بسبب جهل من يفترض أنهم أطباء بأساسيات التشخيص التي لا ينجح طالب طب في مستويات غير متقدمة إن لم يحسنها، ونرى المدن الكبرى تعاني ازدحاما وتأخيرا مُهينا أحيانا قبل الحصول على خدمة صحية متدنية غالبا، أما المدن الصغيرة فهي في راحة أكثر ﻷن لديهم خياران للحصول على «فيفادول»: إمّا من الطبيب أو من الصيدلية التجارية، وقد يُصرف له أو يشترى معه سما اسمه: مضاد حيوي بلا تحوط كافٍ، ولا محاسبة على هذا الإسراف الوبائي حتى أنّ الشركات المصنعة قد تظن أننا نضعه مع القهوة العربية من فرط استخدامه!بلدي العظيم يستحق أكثر من أن تكون «الرئاسة العامة (لرعاية) الشباب» تعني: مؤسسة حكومية تنظم شؤون ألعاب الكرة!! فرعاية الشباب عندنا تعني تعليم قلة منهم بعض أنواع الركض والركل، وترك البقية نهبة لوسائل التعصب والجهل الإعلامية التي تجعل من اللعب ولاء أو خيانة، حقا أو باطلا! افخروا – وأنا معكم أفخر – بديننا، وبلدنا، وهويتنا.. لكن عندما تحتفلون سأحاول فقط ألا أبكي!