د. فالح العجمي

الرؤية.. الاستراتيجية.. التنظيم.. الثقافة

كان الفريق الألماني لكرة القدم، الذي فاز بكأس العالم الأخيرة، من غير المرشحين قبل بدايات البطولة، لأسباب عديدة؛ منها أن البطولة قد أقيمت في أمريكا الجنوبية، فلن تفرط في الحصول عليها بلدان تلك القارة، ولكون الترشيحات في القائمة الأوروبية أيضاً تتجه إلى اسبانيا أو هولندا. لكن المانشافت -كما يسميه المعلقون الرياضيون العرب- وهي العبارة الألمانية المقابلة لكلمة فريق في العربية، انسلّ إلى مراحل البطولة النهائية؛ ليخرج البرازيليين من البطولة على أرضهم بنتيجة قاسية، ثم يخطف الكأس من أمام الأرجنتين. فما السر الذي أوصل هذا الفريق إلى تحقيق الكأس الرابعة لألمانيا بعد غياب استمر ست جولات منذ عام 1990م؟ أولاً كانت المجموعة تعمل بطريقة تكاملية، وحسب خطط تجتمع فيها جهود أفراد الفريق بكامله، لتصبح التراكمية فيها مصدر قوة أكثر من قوة كل فرد على حدة. فكرة القدم منذ عقدين من الزمان لم تعد مسابقة فردية؛ يتنافس فيها أبطال وفنانون في هذه اللعبة ضد بعضهم بعضاً، بل أصبحت جهوداً جماعية وفق تنسيق متعدد المستويات. وقد عدّ بعض المحللين والنقاد الألمان فوز فريقهم بهذه البطولة مثالاً على ما عمله مدربهم الفذّ يواخيم لوف في عزف سيمفونية التناغم بين مكونات ذلك الفريق. وهو الأمر الذي يصلح تطبيقه في كثير من شؤون الحياة المعاصرة، التي تحتاج إلى روح الفريق في علو درجة الإنجاز؛ فقد تحولت عملية بناء هذه الروح إلى مرجعية اجتماعية، يستطيع الاستفادة منها كل من يتولى إدارة فريق عمل، ويسعى إلى تحقيق إنجاز بجهود الفريق الجماعية. وقد اعترف بهذا الواقع بعد المباراة النهائية كابتن المنتخب الإنجليزي ستيفن جيرارد، إذ قال: «البرازيل لديها نيمار، والأرجنتين لديها ميسي، والبرتغال لديها رونالدو، أما ألمانيا فلديها فريق (المانشافت)» وهذا هو سر انتصارها. إذ ان كرة القدم الحديثة أصبحت مثل الاقتصاد المعولم؛ سريعة ومعقدة التركيب. وبغضّ النظر عن المكان ونوع النشاط، فإن ما يتطلبه هذان الحقلان من أجل النجاح هو «التنظيم الفاعل»؛ وما ينقص بعض من يعجزون عن قيادة هذا التنظيم الفاعل هو عجز في «ثقافة القيادة». حيث تتطلب أن يكون الحوار بين العناصر غير ثنائي، أو فئوي، بل يجب أن يكون مفتوحاً لكل المشتركين، ولكلٍ الحق في الإدلاء برأيه، والتعبير عن تحفظاته ومخاوفه. وقد انتشرت هذه الثقافة في الحالة الألمانية من المطبخ وإعداد الطعام إلى ساحة الملعب مروراً بأوضاع أفراد الفريق في غرف الفنادق والتدريبات. وحسب وصف البروفيسور فولفجانج ينيفاين، المتخصص في موضوع القيادة في أوساط العمل، فإن العمل الشمولي يمكنه التغلب على العمل الفردي الباهر؛ وما عمله لوف في بطولة كأس العالم الأخيرة -وفقاً له- هو النجاح في تحويل فريق من النجوم إلى «نجم في الفرق». فمبادئ لوف كانت تعتمد على النموذج الكلاسيكي لبناء العمل المنظم: الرؤية -الاستراتيجية -التنظيم -الثقافة. إذ يحتاج المرء في البدء إلى تحديد واضح للهدف، والحلم المشترك الذي يتفق عليه الجميع، ثم تصوّر واضح لكيفية تحويل ذلك الحلم إلى واقع. ويتبع ذلك بالطبع تحديد القيم التي على كل فرد من الفريق الالتزام بها. وفي الجزء الثاني سنبين كيفية تحويل قائد تلك الأوركسترا (يواخيم لوف) الرؤية والاستراتيجية والتنظيم في إطارها النظري إلى خطة عمل محكمة، لتكون ثقافة يسترشد بها مخططون في حقول أخرى خارج الرياضة أيضاً، ولكنها في شؤون الحياة. ونستعرض فيها بعض الأطر الأخرى لثقافة هذا الشعب، التي أسهمت بكل تأكيد في الاقتناع بها وتطبيقها.