كُنتُ مأزومًا ثم ...
كُنتُ كذلك مدة مِن عُمري، ثم اكتشفتُ أن نيتي -وإن كانت طيبة- لن تُظْهِرَ لمن يخالطني غير ما يَرَى عَيانًا مما لا يُستحسن من مأزوم. تأمّلتُ كثيرًا بعد أن تألّمتُ طويلًا قبل أن أُدرك معنى قول الحق سبحانه: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)، وقوله تعالى: (كتاب أُنْزِلَ إليك فلا يكن في صدرك حَرَجٌ منه). فحَمْلُ الحق لا يعني أن نضغط على أنفسنا ونُتلف أعصابنا، ونُحرج من يعاشرنا، ونتصادم مع بعض من نمرُّ بهم في مسير الحياة الطويل.تعلّمتُ أن أحرص على قول ما أجزم أنه الحق بألطف ما يمكن من عبارات وجيزة، ولا أبقى أتتبع ردود الفِعل، ولا أزِنُ منها شيئًا. بل إن جاء خَيْرٌ فعليَّ أن أردَّ عليه بخير منه، وإن جاءت الأخرى تشاغلتُ بأصل القصد، وعذرتُ، وقلتُ: مُرّي واتركيني، لن تأخذي قدر قُلامة ظفر من فِكْرِي، ولا قدر ومضة بارق من وقتي، ولست على الناس حفيظًا ولا وكيلًا، ولا أجزم بصواب نفسي في كل حال، ولو جزمت لَمَا لزم منه تخطئة الآخر في غالب الأحوال. الحق حِمل خفيف عظيم النفع طيّب الأثر، فإن كان بغير هذه الصفة؛ فليس حَقًّا، أو ليس صافيًا. والناس لا يحتاجون لشيء كحاجتهم للرحمة واللطف، وأن تكون نفسي خالية من أي مطمع، أو تشوّق وتشوّف لنفع منهم إلا معونة أطلبها من أحدهم عند الضرورة طلبًا صريحًا والنفس رضية منشرحة سواء قدَّم صاحبي أو أخرّ، فالأعذار بعدد الآثار، والمسوغات تتوالى توالي النسمات. فأي عاقل يعذِل أو يجد في نفسه وهو يعلم ذلك كما يعلم أن الإنسان ضعيف محدود القدرة والنظر؟! إنها فطرة الله ومشيئته في خلقه، ولم يَخْتَرْ أحد لنفسه، والله عز وجل حكيم عليم، وهو الغني الكريم سبحانه.تعلّمتُ أن خلف ملامح القسوة خوفًا يحتاج إلى تسكينٍ وتأمينٍ لا إلى استفزاز وتحدٍّ، وخلف الكلام القاسي قلبًا ينتظر قُدوة تدفع بالحسنى، وترطب قسوة الشعور، وتُعين على نوائب الحق.النفس المأزومة نفسٌ شقية في ذاتها، مُشْقِيَةٌ لمن يصل إليه قبس ثورتها، والنفس السمحة الواسعة الواثقة الهادئة نفس لا ييأسُ من يعاديها من خيرها فكيف بغيره؟!لو استطعتُ لخلوتُ بكل من خالطته ساعة لأحاول أن أصفّي نفسه، وأمسح جَذِلًا آثار مرارة تركتها بين جنبيه، وأضع مكانها من الطيب أطيبه، ومن المودة أصدقها. أرجو أن أكون دومًا طبيبًا لا مَرَضًا، رحمة لا عَنَتًا، جزءًا من الحل لا جزءًا من المُشكِلة، قريبًا ممن أخالط لا متباعدًا ولا فظًا، أسأل نفسي ماذا يمكن أن أقدِّم؟ ولا أسمح لنفسي أن تتشاغل بتأميل شيء؛ لأني مشفق على المحب، ويائس من غيره، فمَن بقي؟!لنتسامح كما نتنفس، ونعفو كما يرتد الطَّرْف، ولنجعل وجوهنا تعنو لخالقها جلَّ وعلا، ولا ترجو للغير إلا كل خير مهما كانوا ومهما فعلوا، ومهما حَدَث.