ثنائية التمثيل والتخطي
لا علاقة لهذا العنوان برواية كمالا ماركاندايا الهندية «رحيق في غربال». فالرحيق في هذا السياق هو رحيق الثقافة، والغربال هو غربال الفراغ. و.. «الفراغ لا يوصف» كما يقال. وبعد: ما زلت أحتفظُ في مكتبتي بصورةٍ طريفة اقتنيتها منذ زمن بعيد، خلال زيارة لأحد المتاحف. هي صورة قرد يرتدي نظارة طبية للقراءة، ويضع يده اليمنى على رأسه، ويتكئ بيده اليسرى على مجموعة من مجلدات الكتب، ويبدو منهمكا بقراءة كتاب. وقد كُتِبت في أسفل الصورة، وعلى لسان القرد، العبارة التالية: «هذه هي الأشياء التي أقوم بها لكي أبدو ذكيا». التعليق ساخر ومعبِّر، وينطوي على نقد لاذع لادعاء المعرفة والتعالم والتذاكي، وهي مظاهر زائفة تنقصها الجدية ويعوزها الصدق. تسلط تلك العبارة الضوء على جانب من المشهد الثقافي. فبعضهم يعتبر الكتب جزءا من «ديكور» البيت. لذلك تحتل الموسوعات الزاهية المجلدة تجليدا فاخرا كل الرفوف. وبعضهم يقتنيها للتزود بالمعرفة، غير أنها، وفي حالات خاصة، لا تترك أثرا إيجابيا على طريقة التفكير، أو نمط العيش، أو حتى أسلوب التعامل مع الآخرين. فكأنها رحيق يسكب في غربال. هنالك، كما يبدو، خلل في التمثّل أو الاستيعاب. وربما ساهم «كيمياء» الشخصية في ذلك الاخفاق.قد تساهم عادةُ أو هوايةُ اقتناء الكتب في تكريس «وهم الثقافة». وقد «تكبر في رأس»بعضهم فيظن نفسه مفكرا. هكذا يتبرعم الوهم ويتفتح ويكبر. والسؤال هو: إذا كان لتلك القراءات تأثيرٌ إيجابي على شخصية القارئ، فكيف نفسر اتساعَ الفجوة بين القول والفعل، وبين التنظير والممارسة؟ وكيف نفسر الحماسة للقيم الإنسانية الجميلة والإعجاب بها بين دفتي كتاب، ثم التنكر لها، وركلها بالأقدام خارج حيز الورق؟.يبدو أن العائق الكبير في طريق المعرفة هو «توهم المعرفة». وفي حالات أخرى «ادعاء المعرفة». أما الثقافة فهي شيء آخر، إنها ثنائية التمثّل والتخطي. أو الاستيعاب والتجاوز. وكما أن التمثّل عنصر فاعل في معادلة الثقافة، فإن التخطي عنصر لا يقل شأنا عن العنصر السابق. يمكن أن نتمثَّل فكراً ما، ونبقى سجناء ذلك الفكر، لا نستطيع تجاوزه. مع ذلك يبقى التمثّل شرطا من شروط التخطي. ذلك أنه من المتعذر تجاوز شيء دون استيعابه. لكن التمثّل والهرولة لا يجتمعان في غمد واحد. التمثل يتطلب أناةً وصبرا وقدرةً على التركيز. في كتابه القيِّم (أراغون في مواجهة العصر) يقتبس فؤاد أبو منصور عبارة يراهن فيها الكاتب الفرنسي لوي أراغون على معنى آخر للتجاوز فيقول: «كم هو مخجل أن يبلغ المرء حدَّه، وأن يرضى بهذا الحدّ»! بقيت إشارة أخرى ليكتمل نصاب هذه التداعيات. فالثقافة معراجٌ في اتجاه الأعلى.. عشقٌ للحياة، وارتباط بالقيم الإنسانية المشتركة. لكن الثقافة لا تنبت في الفراغ، ولا تتحقق في غياب التمثّل أو الاستيعاب. ويظل التجاوز، كذلك، عنصرا رئيسا في المعادلة، ليحافظ المرء على تفرّده، ويصون استقلاله، فلا يكون مجرد صدى لأصوات أخرى. غير أن التجاوز يعني أيضا التفوق على النفس، والتسامي على ظلامها الخاص. وقد لا يتحقق ذلك ما لم يتحرر المرء من سيطرة «الأنا»، وسطوة التفكير الرغبي، لتأتي آراؤه، ومن ثم مواقفه، ناتجَ استقصاءٍ وفرز ذكي، وحاصلَ تأمل موضوعي لا تشوبه شائبة. كي لا تصبح حصيلة القراءة والاطلاع والمشاهدة والإصغاء رحيقاً في غربال. * متخصص في الإدارة الدولية المقارنة