حكاية اختلط فيها الواقع بالخيال
في زمن مضى كان الترحال مضنياً جسدياً فهو يستغرق أياماً وشهوراً طويلة حتى يصل المرء إلى الوجهة التي يريدها ولكن التعب الجسدي لا يقارن بتعب القلوب؛ للرحل ولمن ينتظرهم في زمن كان التواصل فيه صعباً؛ ولهذا كان كثير من الذين يتركون بلادهم سعياً وراء رزقهم يتركون فيها أحبتهم الذين قد يرونهم يوماً ما، وقد يطول الغياب لدرجة تجعل المرء لا يتعرف على أبنائه الذين تركهم صغاراً حين رحل. حكى لنا أجدادنا حكايات كثيرة عمن رحلوا وعمن انتظروهم سنوات طوالا وخلدت تلك الحكايات في قصائد كثيرة. ومن أطرف القصائد التي قرأتها قصيدة حملت حكاية اختلط فيها الواقع بالخيال، شأنها شأن كثير من القصص على شاكلتها وبخاصة أنها تعتمد اسم (يحيى عمر) كبطل للقصة، وهذا الاسم بحد ذاته له ألف قصيدة وحكاية. قد يكون لشخص حقيقي أو لآخر وهمي ابتكره أحدهم في قصيدة ما، فذاع وانتشر وصار اسماً شائعاً في الشعر العامي اليمني تنسب له حكايات كثيرة، وتحكى على لسانه حكايات أكثر بغض النظر عن الاسم الحقيقي في حال كانت الحكاية واقعية. ومن القصائد التي نسجت عنه حكاية قصيدة جاء في مطلعها:ونبدا بمن انشا سحايب ومزنةوسقوا به ارض الله من جملة الطشوشوثم قال ابو معجب انا امسيت ساهراوذي شفته البارح نجش عليه نجوش... على شاطئ الوادي لقينا بنية فقلنا لها ياذي البنية منين ابوش ولا ظن لش اباً ولا شي لش اخوة ولو لش من الجيران ما كان سيبوش كان لقاء رتبه القدر لهما. لقاء مشحونا بالتحدي الذي ينم عن حال كل واحد منهما دون علمهما، فالرجل استحسن جمال تلك الصبية الذي أيقظ في ذاكرته صورة امرأة ما، فراح يستفزها بأسئلته عن والدها ويستنكر وحدتها رغم جمالها الأخاذ الذي يتطلب أن تكون في رعاية أحدهم. ولكن الفتاه قابلت تلك الأسئلة بإجابات بالغت فيها لتنفي عن نفسها التهمة، وتلقي الرعب في نفس ذلك الشيخ الذي استفز جراحها. وقالت سخف عقلك وجنيت يا مجنوحسن كلامك طيب الحب به ربوش اني ذي ترى عينك بجنه ونعمةوابي من رجال الحرب هزامة الجيوشوسبعة بني عمي وسبعة لي اخوةوسبعون في سبعون من جملة الحبوشولكن بريك أكسر وشيبة وعاجزاًوكنك تبى الحروى بأموالها تروش إن هذا العنف في الرد الذي ابتدأته في اتهامه بالجنون، وختمته بتذكيره بكبر سنه الذي لا يستطيع كل ادعاءاته بالشجاعة. فقد آلمها حين اكتشف ضعفها وبادلته بالمثل. وما كان ذلك إلا دفاعاً عن حالها الذي اكتشفه ذلك الرجل دون علم منه فهي وحيدة، ولكنها تتظاهر بأنها في حماية تلك الأعداد التي حددتها من الرجال الأقارب والخدم الذين يعتنون بها. ولكن الشيخ يزيد من اصراره فيدافع عن نفسه ويعدد قدراته قبل أن يعلن تحديه لها ومحاولة التقرب منها، فيصف جمالها ويثني عليه ثم يطلبها شربة ماء ليستعرض ما يملكه من مال وأنعام، لينفي عن نفسه صفة الفقر التي يعاني منها أو ليحقق أحلاماً داعبت خياله ذات يوم فقال:ولو شي معش لي ماء أنا اريد شربةوباسلم القيمة من الخيل والقروش ولكن الفتاة تزداد إصراراً وعناداً فلا تستجيب لإغراءاته المادية لها، وتتخذ موقفاً معادياً يتعارض مع ما ألفه العرب في مثل هذه المواقف حين قالت له:وقالت معايا ماء فلا اعطيك قطرةولو كنت مغشياً فلا جاز لك رشوش وهيهات كم عشاق راحوا بحسرةوهيهات كم عشاق راحوا على النعوش ها هي تتصلب في موقفها ضده فلا هي تسقيه ولا تنقذه لو سقط مغشياً عليه، وتشكك في نواياه تجاهها فتذكر أمامه جملة عشاقها الذين فقدوا حياتهم من أجلها، ولكن يبدو أنها تفهمت موقف الشيخ منها ورأت فيه ما يثبت أنه لا يريدها لجمالها الذي امتدحه، ولكن شعوراً ما قربه إليها وسرعان ما تسبب في تغير موقفها وتشعر تجاهه بشيء من الحنو، فتسأله عن أحواله ومن أي أرض هو فيعطيها ما أرادت من إجابات تشفي فضولها حتى يعرفها باسمه: ويحيى عمر اسمي وغانص لضبيةانا ويت جملة ناس جينا لها طروش وهنا يتجلى اللغز وينكشف ما يبرر تضارب المشاعر، فيحيى عمر هو والدها الذي رحل عن دياره منذ سنوات طويلة، ولم يعرف ابنته ولم تعرف هي منه إلا اسمه، وبعض حكايات حكتها لها أمها، وما كانت النجوش التي نجشت عليه ليلة لقائهما إلا ذاك الشبه بين الفتاة والمرأة التي تزوجها ورحل حيث أخذته أحلامه. وما كان سؤاله المستفز لها في البداية إلا محاولة لمعرفة والدها. هذه الحكاية ليست الوحيدة التي صاغها القدر بتفاصيل مشابهة في زمن ما.* عضو هيئة التدريس بجامعة الدمام