خالد الشريدة

اهدار كرامتنا باستقدام الأطباء

التواضع بالمهنة الطبية يعرض المجتمع والبنية العلاجية والصحية لكثير من المخاطر والأضرار التي يمكن أن تتراكم متى تراجعت عمليات التحديث والمواكبة والتطوير والتأهيل، وذلك أمر يبدأ من مؤسسات التعليم العالي التي تخرّج آلاف الخريجين سنويا في جميع مجالات المهن الطبية، ولكننا لا نرى ما يوازي ذلك في أرض الواقع وكأننا نمارس قمعا مهنيا مهينا لأطبائنا وممارسي المهن الطبية والصحية، والنسبة والتناسب مع الأجانب تكشف عن اتساع الهوة بين توظيف كليهما في مؤسساتنا الطبية.كيف تطورت دول العالم المتقدمة؟ سؤال يحضرني في سياق التجربة ونقل الخبرات وتقنيات التطور، اليابان التي خرجت من الحرب العالمية الثانية متجرعة ثقل ومرارة الهزيمة لم تكن تملك أي موارد غير إنسان محطم وبائس ومهدر الكرامة الوطنية بعد انتهاء الحرب بقنبلتي ناجازاكي وهيروشيما، فما الذي حدث؟ اتجهت رأسا الى بناء الإنسان قبل الوطن، أعادت ترميم نفسية وعقلية الياباني وارتقت به علميا، فبدأت بالترانزستور الذي كان فتحا علميا للكثير من الاختراعات الحديثة وفي مقدمتها الراديو.وليس ذلك بيت قصيدي وإنما حين وجدوا هناك أنهم بحاجة الى أطباء ولا يمكنهم استيراد أطباء قاموا بتقليص عدد سنوات دراسة الطب في الجامعات من ست بحسب المتعارف عليه دوليا، وخمس في بعض الدول، الى أربع سنوات فقط، ذلك يجعلهم يكسبون سنتين للحصول على أطباء يابانيين، وقد نجحوا أي أنهم وطّنوا مهنة الطب لأنهم بحاجة ماسة لذلك ولم يستقدموا أي طبيب من الخارج ليعالجهم، وإذا كان في الأمثال أن الإنسان طبيب نفسه، فاليابانيون أطباء أنفسهم وعالجوها تماما، نفسيا وعضويا وعقليا وقفزوا على كل متاعبهم الذاتية والوطنية.حين تتوافر لجامعاتنا كل المقومات التي تهيئها لبناء الإنسان واستنفار قدراته وإبداعاته ثم لا تفعل قياسا على ما نرى في الواقع، فمن المؤكد أن لدينا خللا بنيويا في منظومتنا العلمية، فنحن لسنا أقل شأنا من اليابانيين ولا يمكن بأي حال أن نهدر كرامتنا الوطنية بالاستقدام المتواصل للأطباء فيما يعاني أطباؤنا سوء التوظيف المنهجي في ممارسة الطب وتطوير أدواتهم العلاجية من ناحية، وممارسة البيروقراطية في التوظيف الإداري من ناحية أخرى.وزارة الصحة وجامعاتنا في حاجة لمعالجة حاسمة لأوضاع الطب لأن الواقع الحالي يعزز إقصاء السعوديين وربما تحويل وجهاتهم الى الخارج فيما نمارس سياسة الاستقدام لأطباء أقل تأهيلا وقدرات منهم، إننا بذلك ننزع الثقة من أبنائنا ونحبطهم ونقلل من شأنهم بصورة غير ضرورية على الإطلاق، وقبل أن نعالج حالات مرضية ينبغي أن نبدأ في معالجات أكثر إلحاحا لوضع الطب في جامعاتنا ومؤسساتنا الصحية، فما يحدث غير منصف ولن يتقدم بالمهنة الطبية في بلادنا ويجعل من خريجينا حصيلة ضرورة وأرقام ترفعها الجامعات دون انعكاس حقيقي على أرض الواقع.يمكن للجامعات أن تنشئ مستشفيات تعليمية على أعلى المستويات تستوعب فيها خريجيها وتحفزهم على العمل فيها حين يتفوقون، وفي نفس الوقت تمنحهم فرصا مميزة للتجربة الطبية والحصول على الامتياز، ويمكن التنسيق مع مستشفيات من خارج الوطن لإلحاق الخريجين بها، وفي الحقيقة هناك كثير من الخيارات التي يمكن أن تنتج من ورش ومؤتمرات جادة وهادفة لإدراك الواقع الطبي قبل أن يتشرد أطباؤنا تحت ضغط التوظيف والإقصاء الناعم.* باحث اجتماعي