تواصل ممل وضحل لا يحقق اللقاء التقليدي
فيما مرّ من أيام كان السفر للضرورة لما كان ينطوي عليه من مخاطر ومشقة، ثم أحدثت التقنية طفرة في النقل فجعلته بوسائل وأنماط متعددة، ما أدى إلى انخفاض مخاطر السفر وتكاليفه، فأصبح بقصد التسييح والمتعة بقدر ما كان السفر للتطبب وقضاء المهام التي ليس منها بدّ. كل هذا معروف، أما ما نعايشه حالياً فهو التفاعلية المُبهرة، التي مكنت الأشخاص أن يكونوا هنا وهناك في آنٍ معاً! في مجلس إدارة إحدى الشركات، ليس شرطاً حضور الأعضاء بشحمهم ولحمهم بل تجزي المشاركة عبر الشبكة، فيكون مقر الشركة في الدمام وعضو يشارك من جدة وآخر من مقرّ إجازته في تركيا! وليس في هذا جديد، بل أصبح التواصل المرئي عبر الانترنت أمراً معتاداً، فلي صديق ابنته مبتعثة، فقررت الأم شراء شاشة تلفزيون ضخمة تشبكها على الـ"وافي فاي" لساعات تقضيها في قصص وحكايات مع الابنة والأسباط، لدرجة أن شعوراً يتملكهم أحياناً انهم في ذات المكان، رغم آلاف الأميال الفاصلة بينهم! وحتى هذا النمط من التواصل لم يعدّ مبهراً فانخفاض تكاليفه جعلته في متناول الجميع.أما الملفت فعلاً فهو تداخل «الافتراضي» بالحقيقي! أذكر في سنوات المراهقة انتشار هواية المراسلة، وكان أستاذ اللغة الإنجليزية (بريطاني) يشجعنا على التراسل مع يافعين بريطانيين من فئتنا العمرية، وبالفعل كنا نكتب رسائل لهم ونتلقى منهم ردوداً، وكانت السعادة تغمرنا عندما نتلقى الرسائل من مكتب البريد بالهفوف مزركشاً بالطوابع والدمغات وبداخلها صور لمدن بعيدة، أو لمن نراسلهم مع أسرهم أو في المدرسة، فالدهشة كانت تتملكنا فنحكي عن الأمر لأيام دون كلل. ورغم أن ليس في التراسل البريدي جديد، فهو ممارس منذ الأزل بوسائل شتى، لكن أن تتلقى صورة شخص غريب بدأت تتعرف عليه عبر ركن المراسلة في صحيفة أو جريدة.. كان ذلك ملفتاً باعتبار أنك تَمدّ شبكة تواصلك لما وراء البحار. ولن أزعم أن أسرنا كانت توافق على التراسل مع الغرباء، أما ما جعلهم يصبرون على ذلك فهو أن التراسل قد ينطوي على تحسين لغتنا الإنجليزية! ونظرية التشابك (من شبكة) هي الأساس النظري لما نعايشه من نشاط لوسائل التواصل الاجتماعي، التي ترتكز على التفاعلية. ويجب ألا ننسى أن هناك من دَبَج الخطب والمحاضرات محذراً من مخاطر الغزو الثقافي والتغريب الفكري عندما بدأنا نستقبل (لاحظوا نستقبل) بث قنواتٍ خارج الحدود، ثم أصبح تأثير تلك المحطات حقيقة مع اتساع نطاق وكثافة انتشارها نتيجة لأحداث جسام حاقت بمنطقتنا، ولا ننسى كيف نَصبت سي إن إن كاميراتها وأقامت بين ظهرانينا لتغطية حروب الخليج بحرص ومتابعة لصيقة تفوق تغطيات مباريات كرة القدم، وسرعان ما أصبح كل منزل يتابع القنوات الفضائية التي تتماشى مع توجهاته العقدية واهتماماته الثقافية والترفيهية والرياضية، وبذلك غدت القنوات تتنافس لتحظى باختيار المشاهد لها، بعد أن بقي أسير القنوات الأرضية ذات الاتجاه الواحد (البث) لسنوات. ومع ذلك، فالتشابك إبان ما كان يسمى بالغزو الفضائي كان تشبيكاً سطحياً ضحلاً؛ أي نعم متنوع بمئات القنوات، لكنها أحادية الاتجاه؛ تبث والمشاهد يتلقى!أما تشابكنا اليوم فأعمق بكثير، فالجميع أصبح يستقبل ويبث؛ فالأم تبث من مطبخها مباشرة لابنتها المبتعثة كيف تضبط عجينة للقيمات، والبنت تطرح الأسئلة و «تتغشمر»، يعني أصبح لهما قناة خاصة تبث لهما وبالاتجاهين. أما القصة فلا تنتهي هنا، فوسائل التواصل الاجتماعي عامة تتيح لك الفرصة للتواصل مع من تشاء من البشر، أو على الأقل أن تبادر بإبداء رغبتك بالتواصل معهم، فإن بادلوك الرغبة تبدأ تفريعة جديدة في الشبكة بالظهور وتقوى مع تنامي وتيرة التواصل بين طرفي تلك التفريعة!وكما كنا نكتب الرسائل ونودعها البريد ليعود لنا الرد بعد أسابيع، ها نحن نمارس الشيء ذاته لكن بوقع أسرع بكثير عبر قنوات مثل «واتسأب»، تصور أنك في مجموعة يتبادل أفرادها الأخبار أو التحاليل أو حتى النكات، ذاك تشابك افتراضي، خصوصاً بالنسبة للأفراد الذين لم يتعارفوا شخصياً بعد. والتشابك الافتراضي ممل وضحل، تلك هي الطبيعة البشرية التي تسعى دائماً لمقابلة من تعرفه ما دام لذلك سبيل، بمعنى أن التجارب الإيجابية للتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تأخذ طريقها للتواصل التقليدي (وجهاً لوجه) بالسعي لاختزال المسافات حقيقة. ومؤخراً مررت بتجربة جميلة من هذا النوع بعد أن قررت إحدى مجموعات «واتسأب» أن ترتب لقاء لأعضائها، بطبيعة الحال لم يتمكن الجميع من الحضور، لكني بعد اللقاء «حَبرّت» أسماء من قابلتهم لأول مرة فتحولوا لكائنات حية بعد أن كان كل منهم مجرد صورة جامدة تحبسها لقطة ثنائية الأبعاد.* متخصص في المعلوماتية والانتاج