د. محمد الغامدي

«التوريث المنهجي» يا نزاهة!

بَيّنتُ في مقالة سابقة خطورة وجود: «نحن.. وهُم» داخل المجتمع المُسلم، وجرى الاستدلال بمجمل السيرة النبوية العَطِرَة التي احتمل فيها القائد العظيم -صلى الله عليه وسلم- شيئا كثيرا من كيد المنافقين دون أن يظهر المجتمع المسلم الأول والأزكى متصدِّعاً في رأي أفراده، وفي نظر أعدائه.إن حماسك لرهطك أو عمق إيمانك بفِكْرٍ تنحاز إليه لا يخوّلك أن تصنّف المجتمع على أساسه، ولا أن تجعل في نسيج المجتمع أبيض وأسود، وحسناً وقبيحاً، ولا يُضبط هذا إلا بتحمّل كل فرد جناياته وجُنَحه وتبعة أعماله، إن أي شخص لا تجد ما ترفعه عنه لدى القاضي أو المُحتسب؛ فليس له إلا الحوار المؤَسَّس على أرضية احترام متبادل، وفُرص متساوية دوماً وأبداً، لا تمييز ضده، ولا مضارة في حق من حقوقه، أو فُرصة من فُرصه.  أمّا بعدُ فإن في مجتمعنا مسلك رديء للغاية، وقد خرجت منه براعم فتنة سوداء. ذلكم هو «التوريث المنهجي»، ولئن كان الكلام في المقالة السابقة عن «أرامكو والكهنة»؛ فلا بأس أن نضرب المثال (بشركة) من كُبْرَيات الشركات التي تكرّس التوريث المنهجي، حتى أصبح ثقافة مؤسسة، فالمسؤول الكبير يجب أن يخلفه مسؤول على نفس النهج في جوانب كثيرة ليست من صُلب العمل، ولا صلة لها بالقدرات أو الإنتاج أو أي معيار عملي موضوعي. هل تتصوّر -أيها القارئ الكريم- أن مسؤولا في شركة حكومية أعربَ في يوم ما عن سعادته لأن كل أعضاء مجلس الإدارة يشجعون ناديا رياضيا واحدا!وربما وصلت الرسالة لبعض المتسلّقين الوصوليين فصرّحوا بما يرجون نفعه، لأنهم فهموا «لُغة» المتحكمين في ترقياتهم، فهذا المسؤول يفاخر في محضر عام في إحدى الشركات بأنه «علماني» ويذكر ذلك غير مَرّة، والآخر يصرّح للمهندس الملتحي المُجِدّ بأن لحيته -إذا لم تُخفف- قد تحد من ترقيه الوظيفي لأن هناك حدودا، أما الوافد غير العربي فلا شأن لنا بخصوصياته سواء كان كث اللحية أم كان محفوف الحواجب! (ومن المضحكات المبكيات أن البعض يتمنى أن يَصْدُقَ ذلك المسؤول في انتمائه للعلمانية بصورتها الأمريكية التي تعني أن التدين أمر شخصي دوما ومحترم دوما، ولا يجوز أن يكون عنصر تفضيل أو عنصر تعطيل!)وبالمقابل فقد تجد من يشترط -ولو بلسان الحال- أن يكون المرشح ممّن يزكيه المشايخ أو المعارف، وذلك في شركة عامة شبه حكومية لا في شركة يملكها هو، وإن كان هذا المسلك قبيحا في كل حال.إن صَحَّ وصَدَقَ ما يُقال في بعض المجلس، وما يسير خلال الناس في هذا الشأن فإنه تمييز عنصري وإثني خطير جدا، ولا مسوِّغَ له، فكما سبق إما أن تثبت على الموظف جناية أو حتى جُنحة عند القضاء الشرعي (عِنده فقط حتى لا يكون الخصم حَكَمَاً) وإما أن يأخذ فرصته تامة.  وإذا تجاوزنا الشركات والقطاع الخاص، فإن القطاع العام فيه نفس الداء في عدد من مؤسساته، فلئن كان المدير أو الوزير يتمنى أن لا يخلفه في منصبه إلا ولده أو ابن عمه القريب؛ فإنه قد يتنازل عن ذلك لأنه -ببساطة- لا يستطيع أو لم ينجب وَلَداً أصلاً، فيستعيض عن ذلك بتوريث منهجي ينفذ فيه أقصى ما يمكنه أن ينفذ من صور الفساد المسكوت عنه!ومن نتيجة ذلك أن تجد أن الكرسي الفلاني لا يُرقّى إليه إلا من كان بفكر مُعيّن، أو انتماء حزبي محدد، وقد يتجاوز الأمر الحد ليكون ثقافة ونَفَسَاً ظاهرا في تلك الإدارة أو الوزارة فيعلم الجميع أن سبيل الترقي في سُلّم العمل يقف عند حد معيّن، ما لم تكن من خاصة المدير أو الوزير، أو من رهطه الفكري ..الخ لأن كل من يجلس على كرسي في تلك الجهة لن يُسلّمه هو ولن يُسلَّمَ إلا لمن كان على نفس تردد الموجة المنهجية، وكفى بذلك تفريقا للوطن، وتمزيقا للوحدة، وتمييزا وإثما مبينا. ختاما فإن الأمل معقود بهيئة مكافحة الفساد (نزاهة) لأن تتصدى لهذا الضرب من سرطان المجتمعات، ومُبدد الطموحات، وإن لم تفعل فما قامت بأمانة المسؤولية التي عهد بها ولي الأمر، وستكون آنئذٍ جزءا من المشكلة.