المملكة وفرنسا.. فرصة لشراكة خلاقة
في عالم يتسم بالاتجاه إلى ثقافة العنف، أصبحت العلاقات السعودية الفرنسية مرشحة لتكون أكثر عمقاً وتأكيداً وموثوقية، لأن المملكة تعيش في منطقة تموج بالنوازع والمتغيرات وبعضها غير تقليدي وغريب وغامض ومريب، وتحتاج إلى توثيق علاقاتها مع بلد قوي يحمل قدراً من المصداقية والشجاعة التي تحلت بها فرنسا في السنوات الماضية، خاصة في وقت تتعثر فيه الدبلوماسية الأمريكية وتتردد وأحياناً تنسحب وتعجز أمام قوى عنيفة وسادية مثل نظام الأسد وروسيا أو تستسلم لحبكات قوى مخادعة مثل نظام طهران.وفرنسا وهي قوة كبرى، وأيضاً لأنها قوة كبرى، تحتاج إلى صديق موثوق ويتحلى بالحكمة والتعقل وإدارة احترافية للعلاقات في الشرق الأوسط، مثل المملكة.ولا نستغرب أن تلتقي الإرادتان السعودية والفرنسية وتتفقا على نهج واحد في معالجة كثير من الأزمات المقلقة في المنطقة العربية، وفي مقدمتها الازمة السورية ورؤية الرياض وباريس المشتركة لحل عاقل يتمثل بحكومة انتقالية تنقذ سوريا والسوريين من آلة القتل والنيران التي يوقدها نظام الأسد ورعاته في طهران، وأن يرحل الأسد ونظامه كي تختفي المخططات المنتجة للإرهاب والفتنة في سوريا ولبنان وفي كثير من البلدان المجاورة.وترى الرياض وباريس أن العراق لن يتخلص من أوجاعه ما دامت الحكومة العراقية تستمر في نهجها الطائفي الإقصائي وهي الثقافة التي رسخها رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي، ولا بد من مصالحة حقيقية وبناءة وإعادة تكوين الجيش العراقي على أسس وطنية، وتخليصه من فرق الميلشيا التي تقتل على الهوية وتعطي ولاءها لطهران. وأيضاً ضرورة إجراء إصلاحات دستورية وقانونية لمنع الحكومة من استخدام القانون والدستور سلاحاً طائفياً. وتتفق المملكة وفرنسا أيضاً على ضرورة عاجلة لمحاربة المنظمات الإرهابية مثل دولة البغدادي والقاعدة ومنظمات أخرى في العراق لإعادة تأهيل هذا البلد كي يعود إلى الحياة الطبيعية.وتتطابق وجهات النظر السعودية والفرنسية في الحلول للمشاكل في لبنان، وفي مقدمتها أن يكون للدولة اللبنانية وجيشها السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، وأن تسود العلاقات التعاونية والسلام بين الطوائف والمكونات اللبنانية. وايضاً ضرورة تجنيب لبنان وإبعاده عن النيران التي تشتعل في سوريا، وتحصينه ضد تهديدات نظام الأسد وأتباعه بأنهم سينقلون الازمة في سوريا إلى البلدان المجاورة وفي مقدمتها لبنان.وتوجد رؤى مشتركة كثيرة بين المملكة وفرنسا فيما يتعلق بالمشكلة الفلسطينية التي عمرت أكثر مما يجب، وحان الوقت لينتهي شقاء الفلسطينيين وينتهي العدوان الإسرائيلي.المهم في الموضوع أن الشراكة السعودية الفرنسية سوف تكون مثلى وخلاقة وقوية ومثمرة، إذا ما استمرت باريس في معانقة النهج السعودي في التعقل والصداقة والثبات والحكمة في إدارة الأزمات وأن تتطور العلاقة من علاقة حكومتين إلى علاقة شعبين، بحيث تترسخ وتعطى فرصاً أكثر للاستمرار بذات القوة والثبات. ويمكن للبلدين أن يشكلاً ثنائية مثمرة في التغلب على الازمات في المنطقة، بل ويمكنهما أن يجذبا أصواتاً دولية كثيرة إلى جانبهما لإيجاد حلول عبقرية لكل الاضطرابات التي يتعذب في أتونها الملايين من الأبرياء المواطنين الذين يطمحون إلى العيش بسلام.