د. فالح العجمي

أين خلفاء نجوم كرة القدم الكبار؟

بالرغم من أن الرياضة الرسمية حديثة العهد نسبياً في السعودية، إلا أن نجوماً بارزين من ذوي المهارات الفائقة قد اشتهرت بهم ساحة الرياضة المحلية في أجيال متعاقبة، خلال خمسة عقود في النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت نظرة الجماهير في كل حقبة مختلفة بالتأكيد عما تتوقعه الجماهير في الفترات الأخرى أو يمتعها، لكنها كانت تجد فنوناً مختلفة عند لاعبيها المفضلين. وكانت تلك الفترات الذهبية سابقة لعصر الاحتراف المهني الكامل؛ حيث أصبح اللاعبون يمتهنون اللعبة بوصفها حرفة للعيش والمستقبل، ويرتبطون فيها بعقود ملزمة للطرفين مع أنديتهم. لكن الملاحظ أن المتعة التي يستشعرها المشاهدون والمتابعون قد انخفضت مع دخول عصر الاحتراف الكامل، وسيطرة التقنين على علاقات الأطراف في هذه اللعبة الشعبية، حيث لم تعد الإمكانات الفردية، التي كانت في فترات سابقة تعجب الجماهير. فما الذي تغير في الثقافة الكروية محلياً أو عالمياً؟ هناك تيار يرى أن الوضع هو الذي تغير، وليس اللاعبين أو استمتاع الجماهير؛ فقد أصبحت الرياضات عموماً، وكرة القدم بوصفها أعلاها شعبية على وجه الخصوص، صناعة معقدة، واقتصاداً قائماً على مستوى عالمي وإقليمي ومحلي. ومن هنا كان لا بد من دخول عوامل الاقتصاد وأطر صناعة هذا الحقل، ومقوماته الأولية المساندة إلى حلبة اللعبة، والإسهام في تحكمها في المنتج وفي سلوك جميع الأطراف المشاركة (من لاعبين وفرق ومدربين ومعلنين ومستثمرين، وكل أطراف هذه الصناعة). وهو ما جعل مصير اللعبة ينتقل من المتعة الخالصة إلى الحرفة المصحوبة بدرجة عالية من التقنين والاهتمام من الدول والمنظمات وأصحاب المصالح الاقتصادية. وهذا التحول هو ما جعل الفرق الرياضية تلعب بطرق مختلفة عما اعتادت عليه في تلك الأزمنة، التي كانت المتعة هي الهدف الرئيس للعبة، وممارسة الهواية واستعراض الفنيات هو ما يحقق الذات للاعب والاستمتاع للمشاهد. وقد رأينا انكماشاً شديداً لتلك الطبيعة خاصة في المنافسات الرسمية بين الدول على مستوى المنتخبات في البطولات القارية والعالمية، أو بين الفرق الكبيرة في منافساتها للحصول على البطولات المخصصة لأندية كل قارة من القارات العريقة، خاصة القارتين الأوروبية والأمريكية الجنوبية. فمن شاهد صعود بعض المدربين الكبار من ذوي الخطط الجماعية المتقنة؛ بدءاً من الهولنديين والانجليز والاسبان وأخيراً الألمان، الذين أوقفوا الفنون الفردية للاعبي أمريكا اللاتينية، التي كانوا يحصلون من خلالها على الفوز في كثير من المباريات، وتحقيق البطولات العالمية في نهاية الأمر مصحوباً بإعجاب الجماهير بتلك اللمحات الفنية. أما التيار الآخر، فهو الذي يرى أن متغيرات العصر، هي التي أثرت في مستوى الأفراد، وجعلتهم لا يستطيعون إنتاج الفن الكروي كما كان الأمر سابقاً في الأجيال الأولى. ومن تلك المتغيرات انشغال الشباب صغار السن بألعاب الفيديو بدلاً من اللعب في الشارع، مما ينعكس على الرغبة في الاهتمام بالألعاب الالكترونية أكثر من تلك المعتمدة على الحركة والإبداع في التعامل مع الآخرين وجهاً لوجه. فإذا قلّ إمداد الملاعب بأعداد متزايدة من الشباب المقبلين على اللعب بشغف كبير، والممتلئين حيوية ونشاطاً حركياً، فإن مستوى اللعب الفني والمراوغة المعتادة لدى الأجيال السابقة في كرة القدم ستنحدر دون شك، لقلة المنافسة وصعوبة اكتشاف العدد القليل من أصحاب الميول إلى النشاط البدني في الملاعب الرياضية. لأجل ذلك توقفت عند ذكريات الزمن الجميل، الذي كنا نشاهد فيه نجوم كرة القدم المحليين والعالميين يلعبون بشغف وحب للعبة، ويمتعون جماهيرهم، ويفرحون بما يحققونه في حينه دون الخوف من الإصابات أو التفكير في العقود والجوائز .. رحمك الله يا زمن!