د. محمد الغامدي

أرامكو والكهنة

روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) مرفوعا في شأن الكهانة واستراق الشياطين للسمع، وفيه أنه ربما بلّغ الشيطان كلمة للكاهن قبل أن يُدرِكَه الشهاب: ( فيكذب معها مئة كذبة؛ فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء). فالكاهن قد يجري على لسانه نوعَ صِدقٍ في شيء ممّا يدعي، ويكون ذلك نادرا بسبب ما ذُكر في الحديث أو مصادفة تفتن الناس. هذا شأن الكهان؛ فما شأن شركة بيع الزيت أرامكو؟! بدأت القصة في مجتمع منغلق بدرجة كبيرة، وأسباب الرفاه المادي محدودة للغاية، حيث تأسست شركت النفط أرامكو التي كانت حينها سعودية أمريكية، قبل أن يُعلن عن سعودتها من جهة التملك والتبعية قبل عقود قليلة. وقبل أن يتغير فِكْر كثيرين كُنّا مجتمعا متبسطا، نعتبِرُ القادمَ إلى «أرضنا» ضيفاً له حق الإكرام، وهو محفوظ مِن أي تطاول بهيبة ديننا العظيم، وخلقنا العربي الأصيل. لكن من ديننا وقيمنا - أيضا - أن لا نشعر تجاه الأجنبي بعقدة نقص، ولا استلاب فِكر، ولا نجعل له على نفوسنا سلطانا معنويا. وللأسف فإن كلا الجانبين لم يتماسك طويلا عند فئتين من المجتمع!. المهم أن أرامكو تأسست، وكانت - ولله الحمد - سببا في تسويق وقود إعمار بلدنا من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، وقبل ذلك وسطه. لقد اختارت هذه الشركة أن «تشتري دماغها» - كما يعبِّر المصريون - وتستنسخ كل ما في شركات النفط في الولايات المتحدة، حذو القذة بالقذة، استنساخاً أفادنا كثيرا على المدى القريب، وضرّنا كثيرا على المدى البعيد؛ لأننا ضيعنا فرصة «صُنع» نموذجنا بقدراتنا ووفق رؤيتنا، لنصبح مع الأيام أكبر مُصدِّر للنفط، وأقْدَرَ بَلَدٍ في العالم على إدارة ذلك وتنفيذه (لا تكاد ترى خبيرا سعوديا في شؤون النفط، لكن قد تجد أردنيا أو مصريا!!). فالحاصل أنَّ المتبع في أرامكو طوال هذه العقود هو مواصفات معهد البترول الأمريكي (ومن الطرائف أن الشركة بقيت عقودا تحسب ما يعلو الأنابيب من التربة بحسابات ذلك المعهد دون أن تراعي فرق الحال من خفة الرمال وتحركها مقارنة بالتربة الصلبة المستقرة، وقد عَلِمْتُ أن ذلك كلَّفَ مبالغ طائلة بسبب إزالة الرمال كلّما حركتها رياح فتجاوزت المعدل المنصوص عليه!)، والموظف يتعلم ويتدرب في أمريكا أو بالطريقة الأمريكية، ولُغة الشركة هي الإنجليزية الأمريكية، وحتى السيارة كالثلاجة لا بد أن تكون أمريكية!. وهكذا وبأقلّ تكلفة مادية وفي أقصر زمن أصبح لدينا أكبر شركة بيع نفط خام في العالم، وكانت ولا تزال تفعل ذلك مع اعتماد أكبر على شركات مقاولات للتنفيذ والتشغيل. هذه حقائق، ومن الحقائق أن هذه الشركة أسهمت بعض الإسهام في البُنى التحتية للمنطقة الشرقية وبعض المباني التعليمية، وبالمقابل أطلقت يدها للاستحواذ على أراضٍ ومنافع. أرامكو في الشركات مثل جامعة الملك عبدالله ( كاوست) في الجامعات، سر نجاحها الأوحد (تقريبا) أنها لم تخضع للنظام المعتاد في البلد، ولم تُكَسِّر مجاديفها إجراءات الوزارات ومزاجية بعض الموظفين.. الخ، وفوق ذلك فهي ترسو على بحر من المال والصلاحيات. فهل يمكن أن تفشل؟! وهل من الإنصاف أن نقارن بينها وبين أي شركة خاصة أو عامة «تخضع» لما ذُكِر، فضلا عن أن نُفضِّلها مع عدم وجود تنافس أصلا؟! لقد كشفت الحال المتواضعة لبائعي النفط الخام في نيجيريا وأربيل ورأس لانوف وغيرها مدى تزيّد ومبالغة المجتمع المتبسط (وإن كان بحُسن نية) في وصفه للظاهرة الدالة على القُدرة والإنجاز المسماة أرامكو التي تبيع نفطا خاما لا غير. ووصل الحال بالبعض إلى حد التوظيف الأيديولوجي، والاعتماد على عدم التزام الشركة ببعض قطعيات الشريعة الإسلامية في مجتمعها لتسويق تلك المخالفات، زِد على ذلك انتقائية الشركة المُلفتة فيما يتصل بخدمة المجتمع، والعلاقات العامة، والمناشط التي ترعاها أو توافق عليها داخل أو خارج الشركة. ومما يؤسفني - شخصيا - أن مصدر رزق البلد بفضل الله تعالى يجاهر أحيانا بأنه لا يلتزم ببعض أحكام الشريعة، والمفترض أن لا نخالف أمر الله تعالى في هذا الجانب على الأقل حياء من المنعم سبحانه. ختاما أشكر حقا الشركة العملاقة على كل ما قدمت، ونعلم أن الدعم الحكومي والتحرير من كثير من القيود التي تُثقل غيرها هما مفتاح نجاحها، ونرجو أن نقف عند حدود إنجازها ببيع الزيت الخام مع مقاولين عِدة، وأن لا يضيف أحدٌ مئة كذبة!.