عبدالعزيز اليوسف

مذكرات مكتب مسؤول 2ـ2

ما زال معاليه مرتفع الصوت.. فلا أكاد انفض المساء عن جسدي إلا ويملؤني ذاك المسؤول بالزحام والصخب.. وبعد الجدل والصوت وبعد عدة أشهر في هذا المكان الواسع في المساحة، الضيق بالعمل، والمخنق للناس.. قال المسؤول شيئا غريبا.. جعلني أدرك أن همه «أنا» فقط حيث.. صرخ بمدير مكتبه.. «غيروا هذا المكتب» فلم يعد يعجبني.. مع أني لم أرى هذا المسؤول يجلس يوما كاملا أو يكمل دوامه حولي.. يبدو أن الأخبار المتسارعة بأن هذا المسؤول يمر بمشكلة كبيرة أو يمكن مصيبة حيث إن هناك من وضعه في دائرة القلق والشك حول إجراءات.. وأعمال وإهمال رصد عنه.. فلم تكن ردة فعله إلا على حسابي كمكتب وحيد.. ولم يخطط لتغيير شيء إلا تغييري أنا..سمعت مدير مكتبه يتحدث: «سوف نغيّر المكتب سريعا طال عمرك ولا يهمك.. من أي جهة تريد أن نشتري مكتبا لك؟ وما مواصفات المكتب الجديد المرغوب؟» كل هذا الحديث فوق ظهري.. وأنا أتألم فلم أتجاوز إلا أشهرا، ولم يجالسني هذا المسؤول إلا دقائق في اليوم، ولم أحمل أوراقا أو معاملات إلا ما ندر.. كيف يمكن أن يتخلصوا مني بهذه السهولة، وبهذا القرار المتعجل، وفي هذا المزاج المتعكر.. تزاحمت بعض الخواطر في ذهني.. أتساءل كيف يعيش، ويشعر، ويفكر هؤلاء المسؤولون؟ كيف تكون حياتهم وهي فقيرة من الرشد ومليئة بالعي؟بدأ الخوف يدب في مفاصلي وأجزائي وأدراجي.. بتّ انتظر يوم الرحيل وجهته.. استمر الوضع أياما وأنا انتظر.. لم يحدث شيء.. فقلت في نفسي لعل ذلك المسؤول تنازل عن رغبته، وسقطت همته، وأنّبه ضميره خشية التكاليف والمصاريف التي ليس لها داع.. وقلت في داخلي لعله قدّم مصلحة العمل على طلباته ومصلحته العشوائية.. مرت أيام أخرى والوضع هادئ جدا.. حتى أني لم أر المسؤول منذ كم يوم فقلت لعله خير.!مدير المكتب يدخل ويخرج بلا أوراق وهناك حركة غير مألوفة فداخلني الشك أن اليوم هو يوم الرحيل.. ولكني أرى، وأسمع همسا غريبا يحمل أخبارا مختلفة وثقيلة جدا.. لم أتبين جيدا ما المقصود.. ولا الهدف المنشود من تلك الأصوات والحوارات الجانبية التي تثير الكثير من التساؤلات داخلي وقلبي ينبض مرتبكا.. فلا رحيل ولا استقرار ولا فهم لما يحدث.. أتى العامل وقام بتمسيح المكتب ومقتنياته الكثيرة.. الكل صار يدخل ويخرج من موظفي المكتب دون فهم لتفاصل ما يحدث ولا إدراك لما يرتب له..اقفل المكتب مدة أسبوع.. وعشت في ظلام دامس وقلت: لعل المسؤول ذهب في إجازة.. والموظفون أرادوا إقفال المكتب لحين عودة المسؤول.. وقلت: سأنتظر مع المنتظرين ولأرى.. مضت الأيام وفتح المكتب وإذا بمدير المكتب ومعه شخصية مهمة يدخلان المكتب وخلفهما مجموعة اخرى من الموظفين.. وهم يرحبون ويقذفون أجمل عبارات التقدير على سجادته الحمراء بطريقه.. وتذكرت مشهد المسؤول الغائب هاهو يتكرر فعلمت أن المسؤول الأول ذهب مع الريح وجاء آخر.. وبدأ بمثل ما بدا الأول «غيروا مكتبي وأثاثه بسرعة ولا تتأخروا ولا ينقص شيء» تم له كل ذلك.. وأنا رموا بي بمستودع ومخزن الجهة ثم بعد فترة ذهبوا وحين تكسدت أشياء كثيرة وسقطت عهدتي لديهم.. أراد البعض مقترحا ان يذهبوا بي إلى محلات بيع الأثاث المستعمل أو إلى «الحراج».. فتم بيعي بسعر بخس لأحد تجار المكيفات المستعملة والذي وضع على سطحي عددا منها أثقلتني وزادت همي.. وتساءلت: لم هؤلاء المسؤولون يهتمون بشكليات تشترى غالية وتباع رخيصة ولا تستهلك بحقها؟.. لماذا بعض المسؤولين يقولون ولا يفعلون، ويفعلون ولا يقولون؟ لماذا يتغيرون حين يأتون لمناصبهم، وتختل أولوياتهم ويبدؤون بمكاتبهم قبل حاجات الناس؟ لماذا تسرقهم بهرجة، وفخامة، ومظهر، وضوء المنصب ولا يدركون أنهم مؤقتون كما نحن المكاتب نستبدل كما هم يستبدلون.. ذهب كل مسؤول بما قدم وعمل.. وذهبت لحياتي الشعبية الجديدة وعشت أياما فيها كبد، وبساطة، وضحكات، وغاز فريون..