مَن هي الجامعة الأولى؟
ما الوظيفة الأساس للجامعة؟ سؤال فلسفي، لن أحاول الإجابة عليه، لأكتفي بطرحه كمدخل للتعرف على ما يجب أن تتمحور حوله اهتمامات الجامعة؛ هل هو التعليم المتميز لطلابها أم الحصول على ترتيب متقدم في تصنيف شنغهاي وسواه مقارنة بنظيراتها؟ الأمران على صلة، فأحدهما يقود للاخر. وتحديداً، الأول يؤدي للثاني، أما العكس فليس صحيحا. ومع ذلك يبدو أن بعض جامعاتنا مهووسة بالحصول على ترتيب متقدم في أدلة الجامعات، فهل هذا مهم؟ أم أن المهم أن يشهد أصحاب العلاقة والصلة والمختصون والمهتمون أن برامج الجامعة متميزة، بل أن التميز يلف الجامعة لفاً من أساتذتها إلى خريجيها إلى إدارييها ولما توفره من بنية تعليمية وبحثية وخدمات مساندة واجتماعية.التميز واقعٌ وحالة يوثقه ترتيب، وليس العكس. وإجمالاً، لو أن منظومة التعليم العالي لدينا تمتلك التنوع والسعة والبرامج المتميزة لما اضطررنا لإرسال عشرات الآلاف من طلابنا وطالباتنا لكل بلدان الدنيا طلباً للعلم، وعلينا ألا ننسى أننا في الفترة التي سبقت إطلاق برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، انقضت سنوات ونظام تعليمنا العالي يعاني من أزمة استيعاب، فكان غاية المنى توفير مقعد لخريج الثانوية دون اعتبار لرغبته؛ فقد كان النقص فادحا، وقد أدى ذلك بالتدريج إلى عدم توازن ولتشوه صارخ: بلد نامٍ بحاجة لخريجين وخصوصاً في التخصصات الفنية والهندسية لإيجاد اقتصاد متنوع، في حين أن منظومة التعليم العالي كانت تسبح في مجرة أخرى وكأنها منفصلة عن واقعها وعن سوق عملها التي تستجلب عمالة وافدة من الخارج بوتائر متسارعة، حتى أصبح الخريج المواطن هو الاستثناء وليس الأساس، ثم أصبح هو العاطل الذي لا يجد عملاً رغم كل ما يعمل ويقال، فقد استمرأ اقتصادنا -فيما يبدو- عدم الاعتماد على خريجينا، وهذا أمر مؤسف. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن ثاني أكبر شريحة من العاطلين الذكور هم خريجو جامعات، وأكبر شريحة من العاطلات هي للجامعيات.ولذا، فإن اهتمام الجامعات السعودية بالترتيب هو اهتمام غير مجدٍ؛ فالقضية الشائكة التي تجعل سمعة جامعاتنا على المحك هي قابلية خريجيها للتوظيف، ولم لا تتخاطفهم الشركات تخاطفاً؟ وأدرك أن بعض المسئولين في جامعاتنا سيرفع حاجبيه استنكاراً مما أقول، فمنهم من يظن انتهاء مهمته مع تخريجه للطالب، في حين أن الجامعات تقطف ثمرة جهودها عندما توظف طلابها وطالباتها في وظائف لها أفق، ولذا فنجد قليلا من الجامعات المحلية، وكل الجامعات العالمية تبذل جهوداً حثيثة لتوظيف طلابها في أفضل المواقع، فذاك أحد أدلة تميزها. بمعنى أن النتائج والإنجازات هي التي تجعل الجامعات متميزة؛ فانتشار بحوث أساتذتها في أمهات المجلات البحثية المحكمة وتناقل الدوائر البحثية واحتفائها بما ينشر نوعاً وعدداً. هذا من حيث البحوث، أما من حيث البرامج الجامعية فمهم أن يعتمد كل برنامج من أفضل هيئات الاعتماد العالمية وفي البلدان المتقدمة، فذلك هو «دمغة» الجودة، وهي «دمغة» مستقلة تتحقق بما سيسفر عند تنفيذ الجامعة لتلك البرامج؛ من حذق طلبتها في تخصصاتهم، وقدرة الأساتذة على صناعة أفضل خريج، واقبال أرباب الأعمال على توظيف الخريجين، وبعد ذلك كيف يكون أداء الخريجين في أعمالهم.أما انشغالنا بالترتيب فهو انشغال في غير محله، ففريق كرة القدم يحقق البطولة إن أحرز أهدافاً، ويحرز أهدافا إن كان أداؤه أفضل من منافسيه. هذا أمر نعرفه جميعاً، فلما لا نطبقه، بمعنى أن ننشغل بالسعي حثيثاً للارتقاء بالجودة النوعية من خلال تحسين المخرجات، والدفاع عن انتاجنا، باعتباره هو الأفضل، وإلا كيف تفسر الجامعات صمتها بأن تبقى أعداد كبيرة من خريجيها لفترات طويلة دون وظائف؟ وهل تتبع جامعاتنا طلابها وطالباتها بعد تخرجهم لتعرف ماذا حلّ بهم؟ وليس القصد أن الجامعات مسئولة مباشرة عن توفير وظائف لخريجيها، لكن يجب ألا نتنكر لفرضية أن الخريج المتميز سيجد عملاً، فإن لم يجد عملاً يكون جزء من عدم اقبال السوق عليه له صلة بالمؤسسة التي خرجته، وعلى تلك المؤسسة أن تتحلى ببعض التواضع وتتحمل جزءاً من المسئولية. وهكذا، فلعلنا بحاجة لتحقيق الجودة النوعية وصولاً للتميز الأكاديمي وبالتالي لإحراز ترتيب متقدم ضمن مؤسسات التعليم العالي، وليس العكس. والسعي حثيثاً لتحمي الجامعات المجال الطبيعي لعمل خريجيها وهو سوق العمل المحلية، إذ يبدو أنهم يعانون من منافسة حقيقية من خريجين وافدين حديثي التخرج، وقيام الجامعات بهذا الدور ليس فيه افتئات بل حماية لحق الخريج ابتدأ في العمل، وحرصاً على الاستثمارات الضخمة في منظومة التعليم العالي المحلية وفي الابتعاث التي تهدف أساساً لتوفير المزيد من الخريجين لسوق العمل. فإن لم تحرص منظومة التعليم العالي لاختطاف كل فرصة عمل لصالح خريجيها، فما المبرر لبذل كل الجهد وإنفاق المال؟ ومن هذا المنطلق، فلعل من المناسب أن نوجد معياراً خاصاً لجودة التعليم مرتكزه قابلية خريجي الجامعة للتوظيف في سوق العمل السعودية في أقل عدد ممكن من الأشهر، وبناءً عليه نرتب جامعاتنا والجامعات التي يتخرج فيها مبتعثونا، وأي معيار آخر يحل ثانياً.