مذكرات مكتب مسؤول!!
لم أعلم أنني بعد صناعتي بشهرين سوف أنتقل لأكون ضمن حاجيات ذلك المسؤول.. كم تراكم علي ذلك الغبار وأشبعتني تلك الروائح المختلفة.. وتذكرت الآهات التي كنت أكررها حين يتم الضغط علي من قبل قطع مكاتب زملاء لي في نفس الشحنة.. تذكرت كم مرة حملوا قطعي وكم مرة انزلوها.. كم تناقلتني تلك الشاحنات من محل إلى محل وعبر طرق كثيرة..جاءني الخبر في المحل انه سوف يتم نقلي إلى جهة مهمة تم تعيين مسؤول جديد فيها وسوف أكون مكتبا له.. كنت متوجسا.. خائفا بعد تلك الرحلات والتحميل والإنزال، هأنا ابدأ ممارسة مهنتي الجديدة التي صنعت لأجلها، تفاءلت خيرا حين يكون خلفي مسؤول هذا يعني اني سأكون في أفضل حال وسوف يتم الاهتمام بي جيدا من ناحية التنظيف والصيانة..على أن بعض زملائي امتدحوا بعض الوجهاء المتضخمين حين يكونون مكاتب لهم فهم يحافظون عليهم جيدا ولا يحملونها أي أعباء، ولا أوراق لأنهم يضعونها وجاهة فقط.وحذرني بعض المكاتب الزملاء من أصحاب القطاع الخاص، والأثرياء النشيطين والتجار الفاعلين فهم «يحللون مكاتبهم» ويكرفون قطعها ويحمّلونها أعباء كثيرة لأنهم أصحاب عمل دائم وشغل مستمر وإزعاج متواصل ولا يرحمون أي قطعة حولهم.علمت أن موعد ذهابي سيكون صباح الغد سوف يتم تحميلي الى تلك الجهة لاكون جاهزا في استقبال المسئول الجديد.. كل قلقي كان من اني أول مرة اعمل بعد صنعي وستكون أول تجربة لي.. لكن المكاتب التي مررت بها وخصوصا التي سبقت لها التجربة دعمتني وساندتني.تم تحميلي في الشاحنة وقطعنا الطريق عبر زحام ذلك الدائري.. وصلنا بعد ساعة ونصف بسبب الزحام وبعض العوائق والتفتيش وغيرها.. وصلنا الجهة المقصودة وتم إنزال قطعي بحذر حيث كنت اسمع العمال يكررون انتبهوا بشويش لا ينكسر شيء ترى المسؤول «جاي» اليوم وسوف يغضب إن لم يكتمل تركيبي مع أن بعض المكاتب الصغيرة التي كانت برفقتي تم إنزالها بطريقة فوضوية يسقط بعضها ثم يرفع ثم يسقط آخر ولم اسمع تحذيرا ولا توجسا من احد.تم إيصالي إلى غرفة معالي المسؤول ووجدتها غرفة كبيرة وواسعة جدا يمكن أن تكون مستودعا.. تم تركيبي.. وضبطت الأمور.. تم التنظيف و «التمسيح» والتجهيز.جاء معاليه بعد ثلاث ساعات أي بعد الظهر حيث حسبت انه لن يأتي اليوم وعجبت من دوامه قلت في نفسي ممتاز سأكون مرتاحا كل يوم إن كان أسلوب هذا المسؤول مثل اليوم.سمعت صوته يسبق خطواته وجسده.. وهو يصيح «كل شيء جهز» «جهزتوا» مكتبي «حضرتوا» كل شيء، ومعاونوه والموظفون أجدهم يترنحون أمامه بكلمات «طال عمرك» كل شيء تمام.. تساءلت ما هذا الذي لدى البشر؟ تعوذت من الشيطان الرجيم وتركت تطفلي..جلس على الكرسي و «افتر» عليه قليلا وصاح هذا الكرسي ما يصلح غيروه وسمعت احدهم يقول هذا ما اخترت طال عمرك ورد المسؤول وإذا اخترت عادي اليوم اختار أنكم تغيرونه فيه مانع؟.. ردوا: لا طال عمرك في الخدمة نغيره..ثم جاء على نفسه وجلس على الكرسي ومد يديه يتحسس على ظهري ويتلمس مساحاتي الخالية اللامعة وقلبي يخفق بشدة.. ثم قال لا جيد المكتب «كويس» المهم عجلوا بالكرسي.سقط ثلاثة أرباع همي خشية أن يتم الاستغناء عني.. وبقي الربع وهو الخوف من أن يرص علي معاملات الناس ويخنقني بالثقل وان يتم جرحي بتعامل غير جيد.سارت الأمور جيدة ومضت عدة أشهر ولم توضع ورقة واحدة على سطحي فكنت مرتاحا متسع البال.. وكان حضور المسؤول قليلا حيث يكون في قاعات اجتماع، أو مسافرا للقاءات، أو حضور ندوات، أو أداء مراسم.ثم مرت بي ثلاثة أشهر أخرى والوضع كما هو مع أني كنت اسمع زميلي مكتب الوكيل يشتكي من عبء العمل، وتحمل الوكيل عمل المسؤول الأول.. لم اشعر بأي قيمة لوجودي في غرفة معاليه فقلما يكون موجودا، ونادرا أن ينجز متطلبات الناس.. كانت وظيفته تتلخص بـ «حولوا المعاملة على الوكيل» انقضى 11 شهرا ثم سمعت المسئول ونبرته مليئة بالحنق.. وطلب شيئا عجيبا.. سأقوله لكم لاحقا.. وتعرفون باقي القصة.