فالح العجمي

عيونك ملونة .. أما عيوني فلا!

مرت سنوات طويلة عن فترة المهاترات التي كنا نجد فيها تسلية في المدارس، وعلى وجه الخصوص في الفسح وأوقات الفراغ، التي لم نكن نملك فيها من وسائل التسلية والانشغال بالتواصل، كما هي الحال لدى شباب اليوم. لكني تذكرت تلك المهاترات، عندما قرأت تعليقاً لأحدهم على ما كتبته عن عدم رؤيتي خلال سفر امتدّ لأكثر من شهر أي حادث مروري على الإطلاق (صغيراً كان أم كبيراً) في أكثر من بلد آسيوي؛ وبعض تلك البلدان مما يصنف ضمن العالم الثالث.والآن في رحلتي الحالية التي امتدت لأكثر من شهرين متواصلين في أكثر من بلد أوربي، لم أر خلالها أي حادث (للأمانة رأيت سيارة محمولة على ناقلة وفيها آثار حادث مروري يعد لدينا من الحوادث المتوسطة، لكني لم أر الحادث). كما لم أسمع إلا نادراً مشاجرة وأصواتاً عالية بين الناس، ولم أتوتر طيلة هذين الشهرين، مع أني كثيراً ما أتوتر من أشياء بسيطة في الشارع أو في المعاملات. بل وعندما سمعت مرة أصواتاً عالية نسبياً لشخصين يتناقشان، وجدت أنهما عربيان. فما السبب في كل ذلك (كثرة الحوادث والتوترات والأصوات العالية عندنا وندرتها هناك)؟ هل هي الثقافة، أم الأوضاع والظروف التي تجبر الناس لدينا على التصادم بالسيارات، أو بالحناجر، بدلاً من الالتزام والتفاهم في الطرقات، وبدلاً من النقاش في الحوارات؟ أم إن لجدليات العنف، وما يتبعها من التصنيف والتهويش التي تدور رحاها في المنطقة منذ فترة ليست قصيرة دوراً في ذلك؟ ثم إن الثقافة الشرقية تسيطر على بعض تلك البلدان الآسيوية، التي تقل فيها نسبة الحوادث عنا كثيراً، وتقل فيها التوترات أيضاً عما هو موجود لدينا، فما السبب الإضافي الذي نملكه دونهم؟.أعود إلى ما كنت قد ابتدأت به في رحلتي الآسيوية، فقد علّق ذلك الشخص على ما ذكرت بقوله: يبدو أنك ما تشوف، أو ما تركز، أو عبارات من هذا النوع! وكأنه يتهمني بالكذب فيما أنقله عما رأت عيناي. ألم يسأل نفسه: لماذا يكذب بوصفه وضعاً معيناً، وهل سافر هو إلى تلك البلدان، ورآها مختلفة عما وصفت، فليذكر ما رآه، ويقارنه بما أقول؛ فذلك أدعى أن يُصدّق، أو أن يحترم رأيه؛ أما الحكم على واقع لا يعرف منه شيئاً، فهو – في ظني - امتداد لذلك الجو المحتقن في الداخل. ربما أزور أماكن وأتحرك في شوارع لا تكثر أو يندر فيها وجود الحوادث والصدامات الكلامية؛ بينما غيري – وقد يكون هو منهم – يتواجد عند زياراته لتلك البلدان في مناطق أخرى، لا تختلف عما لدينا كثيراً. فليقل ذلك، أو أي حجة أخرى، غير الآراء الفارغة، التي لا تستند إلا إلى التكذيب، أو اقتناع مطلق بأننا أحسن العالم.ولنقس على تلك الآراء كثيراً مما يُكتب في وسائل التواصل الاجتماعي من إسهامات، لا تمت إلى الوظيفة الحضارية التي قصدها مبتكرو تلك الوسائل؛ حيث نرى التحزبات طاغية، والمشاركة بالنقد أو المديح ليست منطلقة – في الغالب – من الرأي المطروح، أو المضامين الفكرية؛ بل من تصنيف مسبق لكاتب ذلك الرأي أو اسمه أو صورته. ولا يترك في كثير من تلك المحاورات – إن صحت تسميتها بالمحاورة – المجال لحسن النية، أو القصد إلى دلالات لم يدركها من يطيرون في العجة، وكأنهم يترصدون للشخص، ليطلقوا عليه وابلاً من الشتائم والألفاظ البذيئة. إذا كان هذا الوضع ليس هو ما يشخصه علماء نفس الجماهير بالتوتر الجمعي، فلا أدري متى يمكن أن توصف المجتمعات بذلك.