د. محمد الغامدي

زينة البُلدان.. زينة «الشرقية» 1/ 2

رحم الله خير الدين الزركلي إذ بادر في حقبة مهمة لتأليف كتابه الشهير «الأعلام»، فلو سبق إليه في هذه الأزمان المتأخرة أحد أهل الديانات من غير المسلمين، أو أحد البعيدين في انحرافهم؛ لَبَلَغَتِ السِّرَاية مَلْبَغًا عظيمًا، ومن شاهد كتابات المستشرقين ومَن شابههم عَلِم أي سُم زعافٍ أو دعوة في ثنايا التراجم.ومهما يكن من شيء فإن التقصير حاصل في إبراز تراجم أعيان هذا الزمان مع تقديرنا لكل إسهام في هذا العِلْم المهم الذي قام به أسلافنا ومن بَعْدَهم خير قيام.ولئن كان ما سبق في حق علماء أموات فإن الأحياء من العلماء هم زينة البُلدان، وحلية الأمصار، ولعل أكبر مانع من إشهار شأن الأحياء وإشاعة ذِكْرهم بالخير (وهو ما دأبَ عليه السلف كما يعلم من أكثر مطالعة كتبهم) الحسد الخفي الذي يلبس لباس الورع، وعدم أمن الفتنة، والتواكل... إلخ، ولو فعل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- فَمَن بعدهم ذلك لَمَا وصل إلينا أكثر ما أنار كتب التراجم وتواريخ البلدان والطبقات وغيرها. وسيدنا ونبينا -صلى الله عليه وسلم- سَنّ لنا ذلك، وأخبر أن شهادة المسلمين وثناؤهم مُعتبر شرعًا.العُلماء هم أعلام الأرض، ومنارات الهُدى، فهُم نُور يهدي بإذن الله إلى صراط مستقيم. العُلماء -علماء الحق وإن لم يشتهروا- لن ينالك من زيارتهم إلا كلمة طيبة، أو شفاعة حسنة، أو فائدة نفيسة، أو هَدي عَمَلِي، أو بركة قد تشعر بها إن صاحبت أحدهم ساعة، وإني أعْجَبُ ممّن يزور بلدًا وعنده سعة من الوقت ولا يزور عَالِمًا فيه. مع أنّه قد لا يحصّل في سفره أثمنَ ولا أنفسَ ولا أنفع لعاجلته وآجلته من زيارة أحدهم.ومن زار «المنطقة الشرقية» من بلدنا المملكة العربية السعودية فإني أوصيه بزيارة العلماء فيها، وعلى رأسهم شيخنا العلامة د.خالد بن عثمان السبت، أو الصلاة معه واللقاء به ما أمكن، ولو تعرّف الزائر على وقت استقباله للزوار لكان أحرى وأيسر عليه.والشيخ عند أهل العلم الشرعي بعمومه، والقرآن وعلومه وأصول الفقه والعقيدة خصوصًا معروف المرتبة، ورفيع الدرجة. وإذا كثر «المتدكترون» بحق وبغير حق فإن رسالة الشيخ في الدكتوراة أسست لعِلم لم يُجمع شتاته من قبل، ولم يكن قبله كتاب عُمدة فيه، وهو عِلْم «قواعد التفسير»، والآن لا يسع طالب أن يبحث في هذا العلم دون الاعتماد على كتابه هذا. كما أن الشيخ -بمفرده- أوّل مَن أسّس الدورات الشرعية المكثفة التي تُستثمر فيها «الإجازات» أمثل استغلال وذلك بُعيد عام 1410.والشيخ مِن أبرز من أحيا هدي السّلَف في تدافع الفُتيا، حتى أنه يحيل على بعض طلابه أو مَن في حكمهم، وفي نظري أنه هو -قبل غيره- يعلم أنه أمكن عِلميًّا ممّن يُحيل عليه. والكلام في الشأن العلمي وما يتصل به يطول جدًا.أما شأنه في تعامله فهو مادة غزيرة جدًا لا أدري ما الذي أنتخبه هنا لأشير إليه؟ لكنّ تواضعه الجم، وورعه في جانب العلاقات الاجتماعية جعل غير البصير بالشأن لا يعرف له سَنيّ مرتبته، وحجب أكثر خبره عن غير أهل المنطقة.