عبدالعزيز اليوسف

الحرية الفاسدة!!

لنضع الحرية كأحد مضامين العلاقات الإنسانية الصحيحة التي يقيمها الإسلام بمناهج العبادة، حيث تتزامن وتتبلور تلك العلاقات ويظهر أثرها عند أداء المسلم لتلك العبادة، وكذلك الترابط بين مصالح البشر في الدنيا وأداؤهم العبادة كأمر مقرر وملزم في هذا الدين، لأنه دين لا يغفل أبدا الواقع العملي في محيط الحياة ولا عن حقيقة وطبيعة النفس البشرية وما يعتريها من حزن وفرح، ارتفاع وانخفاض, تطلع وتوجس, مشاعر وعواطف، ضرورات مقيدة، وطاقات محددة وكل ذلك دون الكمال المطلق، فالإنسان والعلاقات تضيق وتتسع وفقا لحاجات الجماعة ضيقا أو اتساعا، وكذلك العمل والتفاعل يتسع ويكثف ويتنوع ويتشكل لظروف أفراد المجتمع وحاجتهم المجتمع، ولعل أبسط صور ذلك هي التي توجد بينها ظروف متشابهة، لذلك هي تشترك في عادات وتقاليد وتتبادل المنافع بشكل حر ومستمر.من فضل الله علينا أن منحنا كأفراد طاقات إيمانية تجعلنا نتفهم أوامر الدين ونواهيه فنتخلق بقيمه ونتبع شرائعه ونعيش دنيانا في رجاء لآخرتنا. كما أنعم علينا بحرية التحرك الدنيوي وفق منظومات ضابطة ومشروعة تلائم وتتفق مع كل أذواق الجميع واتجه إلى حماية الحريات العادلة فكان المسلم مسئولا مسئولية كاملة أمام الله في الدنيا والآخرة. لقد منح الدين للإنسان الحرية وقيدها بالفضيلة حتى لا تنحرف، وبالعفة حتى لا يخبث، وبالعدل حتى لا يجور وبالحق حتى لا يزيغ، وبالخير حتى لا يستبد.. ولنتأمل.. الحرية في معناها المشروع هي التحرر من عبودية غير الله عز وجل.. والإسلام في معناه هو الاستسلام والانقياد لله بالطاعة. هنا تقبع الحرية.. لم تعن الحرية أبدا الانطلاق من قيود الفضيلة والعفة والخير والنقاء أو التمرد الخشن على العلاقات الإنسانية في المجتمع المسلم.. أو تعني التخلص من كل نظام أو الخروج على التقاليد الكريمة والعادات الفاضلة.. فلا يمكن لأي مسلم راشد أن يبرر لنفسه قول ما يريد وفعل ما يشاء وعمل ما يرغب والانصراف إلى ما يهوى فيما يخالف الدين القوي أو يكون للغير حق معه ويقول تلك الحرية لأنه محاسب ومقيد بضوابط دينه، وكذلك هو مشترك مع آخر إما في مكان أو صفة أو سقف أو زمان أو مجتمع أو في مصلحة ما. ختام القول: هناك حرية فاسدة تمنع المرء من أن يستوعب حقيقة الحرية فهي التي تقوده نحو متاهات السوء والشر.. وقانون تلك الحرية افعل «ما تريد وقتما تريد بأي شيء تريد» بلا حرج.. لكن يبقى الحر الحقيقي هو من يبدأ بسيادة نفسه, ويطلق قيده من التحرر المنفلت، ويفك إرادته من قيود شهواته، ويحرر قلبه من سجن رغباته.. وهو الشخص الذي تتجلى فيه معاني الحرية المسئولة بغطاء من عبادة رشيدة.. فهو يتعامل مع كل البشر بحرية تامة تبدأ بالدين وتنتهي بالدين.. يبيع ويشتري كما يشاء ما دامت السلعة مباحة والطريقة مشروعة.. وهو الذي يهتم بحرية غيره المشروعة ويرعاها قبل أن يفكر في إظهار رغبته في الحرية، وهو الذي لا يبحث عن التحرر الشامل والكامل من الدين وضوابطه ويربطها بمفهوم الحرية، فالدين نظام ثابت في العقيدة والعبادة والمعاملة.. الحر الحقيقي هو من يرتدي حريته من خيوط الهدى.. فتكون سيادة النفس هي المنطق والفعل ورد الفعل.