متشابهون.. متشابهون
نقول في العامية: فلان فيه شفاحه بمعنى أنه لا يشبع من كل ما لديه من خيرات أياً كان نوعها ويظل تواقاً للحصول على المزيد، وصاحب هذه الصفة لا يفطن لنفسه وهو يعبر عن ذلك بطريقة غير مستحبة من الآخرين ومهينة لمن تصدر عنه. وفي العربية الفصحى المشفح هو: المحروم الذي لا يصيب شيئاً أي لا يحصل على ما يريده. اليوم تشيع بين الناس صفة معاكسة لها ولكنها ايضاً ظاهرة وبطريقة منفرة أيضاً لأن أصحابها يميلون إلى الإعلان عنها بطرق مختلفة، وهي تشير إلى حالة نفسية غير سوية يفترض أنها لا تصدر عن شخص اعتاد على التنعم بخيرات الله وليس بحاجة إلى الاستعراض بها بطرق شتى تنم عن شعور بالنقص وعدم الاكتفاء وكأن الشخص من محدثي النعمة الذين حرموا كثيراً وفجأة صار لديهم الكثير فيشعرون أنهم بحاجة لعرضها أمام الناس تباهياً. وأرى أن هذه الصفة لا تختلف كثيراً عما يعانيه بعضنا من الشعور بالنقص المستمر حتى ولو أوتي خيراً كثيرا ستجده غير سعيد بما لديه وعينه دائماً على ما يراه عند الآخرين وعلامات الحرمان ظاهرة على نظراته لغيره وأقواله عنهم إما إشارة إليهم أو محاولات مستميتة لتقليدهم بأي وسيلة ومهما كلفه ذلك من ثمن مادي أو معنوي اجتماعي غير لائق ناهيك عن تقييمه لهم وفقاً لما يملكون لا لما يعقلون!! وهنا بيت القصيد الذي ترتبط به خيوط اقتصادية واجتماعية ودينية وفلسفية بعضها نعارضه بأفعالنا ونؤيده بأقوالنا، وبعضه يعيدنا عشر خطوات إلى الخلف في مسائل التربية الذاتية وتعويدها على ما هو أفضل وأكثر إثراء للروح قبل الجسد. عندما ترى نصف سكان المدينة يصور أكفه لإظهار الساعة الحقيقية باهظة الثمن، ثم ترى ربع سكان المدينة يشتري الساعة التقليدية ليصورها مع كفه، والربع الأخير يتفرج بصمت أو ربما يتذمر ولكنه لا يؤثر في هذا ولا ذاك توجيهاً أو معالجة لهذا الخلل الذي صار يكبر ويتضخم ويؤثر على المسار الصحيح للفكر الاجتماعي السائد والأهم أنه يؤثر تأثيراً مباشراً على جيل قادم هاهو يكبر اليوم على الاهتمام بسفاسف الأمور وعدم الاهتمام بما هو أهم وأهم. ماذا نسمع من الأطفال اليوم غير الطلبات التي لا تنتهي ودائماً ما تحضر خلال ذلك أسماء الماركات والرغبة بالتشبه بفلان أو فلانة من المشاهير. ولا عجب لأنه يسمع في بيته كثيراً من الكبار أنهم فعلوا هذا واشتروا ذاك كما رأوه عند فلان وفلانة وكأن ما نملكه لابد أن يكون مشابهاً لما يملكه المشاهير أو الأقارب أو الأغراب الذين نرى صورهم أو نقرأ أفكارهم في برامج التواصل. فغاب التميز وغابت القيم المرتبطة به. نحن اليوم نرى نتائج ما أشرت إليه في كل مكان حقيقي أو افتراضي ولكننا سنراه عما قريب مسيطراً تماماً ومؤثراً بقوة على توجهات كثير منا على الاستهلاك المظهري الأجوف وستغيب القيم وتتضاءل النوايا الحسنة في كثير من التصرفات حتى الأعمال التطوعية، ومثال ذلك ما رأيناه من ميل للتصوير مع عمال النظافة أثناء التعامل معهم بود أو تقديم الهدايا لهم. فقد بدأت الفكرة جميلة وراقية انسانياً ثم تحولت إلى استعراضية مقيتة تزين مجموعات الصور في الانستغرام. والأسوأ يحدث في تويتر لأن الاصوات الرزينة التي تبث الأفكار التصحيحية بدأت تختفي أو تغيب ويتغلب عليها صوت كل زاعق بالشتم والسب حتى صار هذا الصوت بديلاً مرحباً به لصوت العقل والأخلاق. ولعلي لا أبالغ حين أقول إن ما يحدث ستكون له سطوة قوية تنحدر بصغارنا كما فعلت مع الكبار الذين استسلموا لها ووقعوا في فخها وهي كما أثرت على البيوت وأساليب التربية ستؤثر حتماً على التعليم وهو لا ينقصه المزيد من الانحدار.