عودة العصا إلى المدرسة!
يصف الفنان الأمريكي شَك نوريس حال المدارس في أمريكا قائلا: «أصبحت حال المدارس في أمريكا سائبة.. «العيال» هم الذين يديرونها.. لذلك ينبغي إحداث تغيير ما، لتعود الأمور كما كانت من قبل، حيث يمارس المعلمون دورهم في إدارة المدرسة». وما يقوله نوريس ليس حكرا على مدارس أمريكا وحدها، بل هو ظاهرة منتشرة هنا وهناك، منذ أن نسي الناس عبارة: «لكم اللحم ولنا العظم»! العبارة التي يقولها الأب حين يقدم ابنه لمعلم الكتاتيب أو المدرسة. آنذاك، إذا رأينا المعلم في الطريق سلكنا طريقا آخر حياءً واحتراما. في أيامنا هذه، زالت الكِلْفَة تماما، فترى التلميذ يخاطب معلمه وكأنه يخاطب واحدا من زملائه. حالتان مختلفتان، والمطلوب أساليب تربوية جديدة تنبذ التشدد، فليس هذا زمن العصا، ولا تقر التساهل الذي يصل إلى حد التسيب.يضيف نوريس واصفا ذلك التسيب، وانقلاب الصورة، بعبارة ساخرة فيقول: «صار الكلب لا يهز ذيله، بل الذيل هو الذي يهز الكلب»! ويمكننا استيعاب ملاحظة نوريس بمتابعة الأعمال الفنية الأمريكية التي تولي المواضيع التربوية اهتماما بالغا فتخصص لها مسلسلات ومسرحيات وأفلاما يتناول بعضها العلاقة بين المعلم وتلاميذه، وتستمد مضامينها من واقع الحياة اليومية. عربيا فإن الأعمال الفنية التي تناولت هذا الجانب لا تكاد تذكر. لعل أبرزها مسرحية «مدرسة المشاغبين». حيث كان على الأستاذة عفّت (سهير البابلي) ترويض نمور تلك المدرسة.تظهر تلك الأعمال الفنية، أنه يتعذر على المعلم أن يؤدي دوره التربوي ما لم تكن شخصيته مقنعة، وما لم يكن مهابا ومحبوبا في الوقت نفسه، فالشدة وحدها لا تعالج المشكلة. كما أن غطرسة واستبداد بعض المعلمين لا تساعد على مد جسور التواصل مع الطلبة.حلمنا في الصغر أن نصبح معلمين، ليس إدراكا منا لأهمية دور المعلم، بل حبا في التسلط، وانتقال العصا إلى أيدينا. الأسلوب الذي لا تقره طرق التربية الحديثة. غير أن الحال التي آلت إليها مدارس هذه الأيام دفعت أحدهم إلى أن يقترح ساخرا إعادة العصا والعقاب الجسدي إلى المدارس لمعاقبة «بعض» المعلمين! ولو أدرك الأستاذ الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ زماننا هذا لأيَّد ذلك الاقتراح الغريب، وأضافه إلى كتابه «نوادر المعلمين».الحديث عن علاقة التلميذ بمعلمه يقودنا إلى موضوع أخطر، هو التأثير الذي يتركه المعلم في نفوس الناشئة. فإما أن يكون التأثير خلاقا، أو مدمرا يختطف العقول، ويقودها إلى مصائر مجهولة، بعد أن يبني في نفوس الصغار جدران العزلة والكراهية. جدران تعزل صاحبها عن العالم. تتعدد أشكال الجدران والعزلة واحدة. يتسلل مهندسو تلك الجدران إلى العقول عبر بوابات التربية ووسائل التلقين ذات الرؤية الأحادية، وتدريجيا يتعلق الناشئة بتلك الوصايا تعلقا أعمى. هكذا تحول تلك الجدران بينهم وبين رؤية الحياة بطريقة مختلفة، وبوعي كاف للتمييز بين النور والعتمة.وبعد: يوجد نموذجان من المعلمين الأول يعتمد أسلوب الحفظ والتلقين، والآخر يحرّض العقلَ على التفكير فيحلّق في سماء الإبداع. وفي هذا العصر الذي تتسابق فيه المجتمعات نحو المستقبل، فإن المعلم المبدع هو من يذكي الخيال، ويجيد فن إيقاظ الفضول، والرغبة في الاكتشاف، الأمر الذي دفع الإسكندر الكبير إلى القول إنه مدين لأبيه بالعيش، ولمعلمه بالعيش الأجمل.