فالح العجمي

وين إذنك يا حبشي؟

عالم الاقتصاد مليء بالتناقضات، وبالأمور الغامضة التي لا يعرف كثير من الناس البعيدين عن دواخلها آليات عملها. كما تتحكم هذه الآليات في حياة المجتمعات والأفراد على مدى تاريخ البشرية الطويل، لأنها هي المحرك أصلاً للعوامل السياسية والمصالح الدولية والفردية على حد سواء. وعالم السياسة هو الآخر غامض، ومليء بالدسائس والمناورات، ولا يتوقع من أهله العمل باستقامة وحسن نية، مثلما أثبتت تجارب البشر العديدة. لكن ما أتحدث عنه اليوم ليس اقتصاداً وسياسة فحسب؛ بل أصنفه ضمن غياب الوعي الجمعي لدى الأمم الممسكة بمقاليد الأمور عن تقويم مستقبل البشرية، في ظل سيطرة الاقتصاد والسياسة على مصيرها بالكامل. فالنظرة الجزئية القاصرة إلى قضايا حياة البشر على الأرض يمكن أن تكون مقبولة من أنظمة مؤقتة، لا يهمها إلا استغلال الوقت المتاح لها بالهيمنة على ما تريده من مصالح، ريثما يجرفها سيل التغيير عن موقع القرار، أو من بلدان ضعيفة في التكوين الاقتصادي والسياسي، وفي الإرث الثقافي - الحضاري لرؤية العالم وتكوينه. أما أن تسيطر تلك النظرة على استراتيجيات دول حقيقية، ولها من التمكين ما تؤثر به في مسار عمليات تطوير فكر الإنسان (المعاصر على وجه الخصوص)؛ فهو أمر محير فعلاً. وتلك الدول التي أقصدها، هي ذات التأثير الفعلي كالولايات المتحدة الأمريكية والدول المؤثرة في أوروبا مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وفي آسيا مثل الصين وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية. فأغلب تلك الدول هي التي تتهرب من دفع ضريبة ما تخربه صناعتها، واستغلالها غير العقلاني للموارد من الطاقة أو المواد الأولية، وتلويث البيئة بأدخنة المصانع وعوادم المركبات والطائرات، والاستخدام الجائر للمصادر غير المتجددة. وإذا استفاقت بعض هذه الدول لأمر الخطر المحدق بها أصلاً، قبل أن يصل إلى غيرها، فهي استفاقة متأخرة، كما عملت الولايات المتحدة الأمريكية في قبولها المتأخر اتفاقية ريودي جانيرو الخاصة بالبيئة. وفيما يتعلق بصحة الإنسان المباشرة، نرى من تلك الدول المؤثرة تراخياً غير مبرر في الاهتمام بما هو بالغ الضرر بحياة البشر؛ دون أن تسعى إلى منعه أو سن القوانين لتعقب منتجيه والمروجين له بين الناس. وأخص بالذكر التبغ، الذي عجزت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة منذ استقلالها عن سن قوانين تحد من هيمنة هذه الصناعة على المجتمع الأمريكي أولاً، وعلى مجتمعات بشرية أخرى في جارتها الجنوبية وفي العالم أجمع. فكل ما استطاعت أن تفعله، هو أنها بعد عقود من المداولات التشريعية، استطاعت أن تلزم هذه الشركات المنتجة للتبغ وتوابعه بأن تسهم في ميزانيات علاج السرطان في الولايات المتحدة، والذي ثبت من خلال تقارير المؤسسات الصحية الأمريكية أنه مسبب رئيس لعدد منها. ثم ماذا؟ لقوة تلك الشركات اقتصادياً وتمكنها من التغلغل في المؤسسات السياسية، تبرعت مؤخراً بمليارات الدولارات عن طريق الكونجرس، مقابل أن يتم التشريع بأنها صناعة قانونية. ومن النجاحات الباهتة للمؤسسات الحكومية الأمريكية، أنها ألزمت أيضاً شركات السجائر بالكتابة على المنتجات أنها ضارة، وتسبب السرطان المؤدي إلى الموت. ثم ماذا؟ لا شيء جذرياً تغير في مستوى استهلاك التبغ على مستوى العالم. كما بدأ اتجاه الآن لإلزام شركات المشروبات الغازية بكتابة تحذير عن ضرر محتوياتها البالغ على الصحة، لكن هل هذه الإجراءات كافية من السلطات التي تملك القرار، أو المؤسسات التي تشرع القوانين لمصلحة الناس في بلدانهم؟ أقول بالفم الملآن: لا، فوظيفة الحكومات والمؤسسات التشريعية هي حماية مواطنيها، وليس تثقيفهم. فلماذا لا تمنع أسوة بالمخدرات؟ أم انهم على طريقة الرد على: وين اذنك يا حبشي؟