صداعٌ لا يُعالج إلا بالصَّمت!
تستطيع أن توغل في عالم المجاز، وأن تمخر عباب الخيال، وتغرق في محيط المبالغة كما تشاء، وتنسج على منوال أبي الطيب المتنبي فتقول "وأسمعَتْ كلماتي من به صَمَمُ"، لكنك ستقف عاجزا أمام صَمَمِ اللجاجة والمكابرة ولو استخدمت كلَّ مكبرات الصوت الموجودة في العالم.تأمل كيف يصل مستوى الحوار في بعض الفضائيات العربية إلى الحضيض، إلى مستوى التراشق بالعبارات النابية، والحطّ من شأن المحاور، ودلق الماء في وجهه، والاشتباك بالأيدي. ولم أدرك حتى الآن الفائدة المرجوة من تلك البرامج الحوارية التي يتباهى بها القائمون عليها، إذا كان هدفها تحقيق قيمة إعلامية أو ثقافية، فإن ذلك المستوى من التخاطب لا يجلب إلا الصداع، وإذا كان الهدف منها هو تنوير المشاهد فإن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال، ذلك أن نجوم تلك المناوشات البائسة أحوج من غيرهم إلى التنوير وتثقيف الذات.على المستوى الفردي، وبعيداً عن أضواء الكاميرا، تبدو -أحيانا- كمن يطرق حديدا باردا حين تحاور شخصا "يحمل مصباحه وراء ظهره ولا يرى إلا ظله"، كما يعبر الشاعر الهندي طاغور، وتبدو كذلك حين يتكلم مناظرك بعشرة ألسنة، ويسمع بربع أذن، وحين لا يسمع إلا ما يودّ أن يسمعه، وحين يكون باله مشغولا بالرد على رأي لم يسمعه، وحين يتخذ من الاستثناء قاعدة، ومن القاعدة استثناء، ويزداد الطين بلة حين يصعب التمييز بين المعلومة والرأي، وبين السبب والنتيجة، وبين الانطباع والحقيقة، ويزداد غبنك حين يضع على لسانك كلاما لم تقله، وحين يقفز من جزئية إلى أخرى لا رابط لها بالأولى، وحين يعنى بالهامش وينسى المتن، فتدخلان معا في متاهة من التفاصيل لا يمكن الخروج منها، تفاصيل تعيدكما إلى المربع الأول.سوف تدخلان معا في متاهة الداخل فيها مفقود، والخارج منها مولود، حين لا يتقبل محاورك أن يكون رأيه صواباً يحتمل الخطأ، ورأيك خطأً يحتمل الصواب، وحين يكون رأيه صدى لما تبثه منابر إعلام موجهة لا تبث إلا "حقائقها" الخاصة، تلك هي بعض الأسباب التي تجعل الحوار يدور في حلقة مفرغة، ولا يخلف إلا الصداع. يقال: لكي تحكي قصة جيدة تحتاج إلى مستمع جيد، لكن ذلك نادر الحدوث، لذلك يسود في محيطنا الثقافي والاجتماعي والسياسي حديث "الطرشان"، هكذا ينضب نهرُ الكلام لأن بين لغة المتحاورَين فجوةً واسعةً لا يملؤها إلا الصمت. سيكون من الصعب أن يتجاوز أحدنا ظلامه الخاص دون أن يتجرد من أهوائه ورواسبه وأحكامه المسبقة، وأن يؤسس آراءه ومواقفه على أسس راسخة، ووقائع ومعطيات ملموسة، وأن يتأمل ويحلل ما بين يديه من حيثيات ومعطيات، وأن يقرأ الواقع قراءة موضوعية متأنية، فمن غير الممكن بناء موقف أو تشكيل رأي صائب عن واقع لا نعرف عنه شيئا. إن هدف أي حوار منتج خلاق هو فهم الآخر، وصولا إلى اكتشاف القواسم المشتركة بين أطراف الحوار، وليس الهدف إلحاق هزيمة بالمناظر، أو الحكم عليه سلبا أو إيجابا، أو اعتباره مصيبا أو مخطئا."إنك لا تجني من الشوك العنب"! لذلك فإن الصداع -ولا شيء غيره- هو حصاد ذلك الجدال العقيم، وإذا كان بالإمكان علاج الصداع ببعض أقراص الدواء المسكنة فإن هذه الحالة من الصداع لا تعالج إلا بالصمت.