خالد الشريدة

سباك بمرتبة طبيب

لا يزال مسلسل تزوير الشهادات الجامعية يعصف بمقومات الممارسة المهنية والعملية الإدارية في كثير من الإدارات والموقع، وآخر ذلك حكاية طبيب التخدير الذي كشفت الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية أن شهادته مزورة، وهو ليس موظفا بسيطا أو طبيبا حديث التخرج، وإنما رئيس لقسم التخدير في مستشفى الولادة والأطفال بالدمام، كيف استطاع أن يصل إلى رئيس أهم الأقسام وأكثرها خطورة دون أن ينكشف أمره.كان اكتشاف واقعة الزيف والتزوير الكبيرة بمبادرة شخصية من طبيبة بالمستشفى أرسلت خطابات إلى جامعة الزقازيق بمصر بعد أن شكت في أمره تسأل عن صحة شهادة الطبيب المزعوم. وأصبح الأمر بعد ذلك رسميا بين مستشفى الولادة تحت توقيع الطبية التي تستفسر عن صحة الشهادة العلمية للطبيب التي تبين عدم صحتها. والمؤسف في القضية أن الطبيب لم يخضع لاختبارات هيئة التخصصات الطبية أثناء قدومه للمملكة، وذلك يشرع الباب لدخول عشرات الأسئلة الحائرة حول العشوائية التي تدار بها الأمور، والانفلات والتفريط اللذين ينتهيان بنا الى مثل هذه النتائج السلبية والمؤسفة.الواقع الذي يجعلنا نضحك من شر البلية حول الفوضى الإدارية في المؤسسات، هو أن الطبيب الاستشاري المزيف في مجال التخدير، والله أعلم إن كان قبل ذلك سباكا أو عاملا يوميا، هرب دون عقاب. من الواضح أن التأخير في اتخاذ الإجراء من المستشفى، وتسريب المعلومة إلى الطبيب المزيف، ساعداه على الفرار إلى بلده دون مقاضاته، وذلك أيضا يعيدنا الى مسؤولية مدير المستشفى ونائبه. ولا أعلم ماذا يفعلون إذا استطاع شخص محتال أن يقنعهم طوال سنوات عمله بقيمته العلمية وجدارته وكفاءاته؟ وماذا فعل لهم حتى لا يدركوا أنه غير كفء أو لا يمت للمهنة الطبية بصلة؟ وهل وثقوا فيه بدرجة عمياء تجعلهم لا يميزون بين نصاب وطبيب حقيقي؟ ألم يرتكب أي خطأ طوال فترة عمله يقودهم الى البحث وراءه أو الشك في قدراته الطبية؟ ألم يظهر في أدائه أي ثقب في خبراته وعلمه؟ وإذا وجد ذلك الثقب لماذا لم يتم البحث فيه؟ وهل عجز مسؤولو المستشفى عن إدراك عدم كفاءته؟ وإذا عجزوا فإنهم وهو سواء في الكفاءة والقدرات.والسؤال الذي يأتي بعد اكتشاف ذلك التزوير الفاجع: لماذا معظم رؤساء الأقسام في المستشفى أجانب؟ وهل لا توجد كفاءات سعودية من تلك التي تقدمها الجامعات والبعثات والقادمين من الابتعاث؟ ولماذا لا تحرص إدارة المستشفى على البحث عن سعوديين ذوي كفاءة وتقدم لهم وظائف نوعية برواتب مميزة، خاصة إذا علمنا بأن هذا المزيف كان يتقاضى مرتبا مجزيا وأيضا عددا من الحوافز منها بدل السكن وتذاكر سفر له ولأفراد عائلته. الواقع أنه من حق أي سعودي أن يكون في ذلك الموقع ويحصل على هذا الراتب وهذه المميزات، لكن يبدو أن لدينا مشكلة حقيقية في السعودة واحترام الكفاءات السعودية وفي المحصلة نحصل على سباكين بشهادات طبية. والله أعلم أين تقع الكارثة المقبلة، وإني على يقين بأن مدير الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية الدكتور صالح الصالحي يولي صحة المواطن ومرافقه الطبية والعلاجية في المنطقة جل اهتمامه وعنايته ودعمه المستمر، لكنه بحاجة الى مزيد من الجهد لمتابعة مسؤولين يتسرب الماء الإداري من بين أيديهم وهم لا يشعرون.