السيطرة على «كورونا»
أمرّ مطمئن أن ارتد خطر "كورونا" عن بلدنا، سؤال: هل ثمة ضمانات أنه لن يعود، لا سيما أنه كان قد "زارنا" قبل هذه المرة؟ وبالتأكيد ليس بوسع أحد تقديم ضمانات من هذا النوع، فانتشار "كورونا" يعتمد على عوامل عدة منها النظافة الشخصية والحرص على التعقيم الدائم لليدين والأسطح. لكن القصد هو : هل استعداداتنا الآن أفضل مما كانت عليه قبل سنة مضت؟ هل نملك مراكز كافية للعزل؟ وهل هي منتشرة في أنحاء المملكة؟ ما يبرر طرح هذه الأسئلة ليس الرغبة في تعقيد حياة أحد، بل للاطمئنان على أننا نتعلم من مرة واحدة، وأننا نحسن أداءنا مع كل تجربة نمرّ بها. فقد دفعنا مقابلها أرواحاً وأموالاً ومعاناة كمجتمع، فمادمنا قد عانينا انتشار هذا المرض، ثم سيطرنا عليه بشق الأنفس، فجدير بنا أن نسدّ عليه - قدر الاستطاعة - السبل حتى لا يعود ثالثة، فإن عاد - لا قدر الله - نكون له بالمرصاد وعلى أهبة الاستعداد، وبأداء متطور مقارنة بما مضى.وأخذاً في الاعتبار فان عدداً من الأمراض السارية قد تفشت من قبل، وأخذاً في الاعتبار أن بلادنا مفتوحة؛ فهي تستقبل ملايين من الحجاج والمعتمرين والعمالة الوافدة. فلعل من الملائم العمل على تعزيز مراكز الرصد في الجهات الرسمية المعنية مباشرة، وتعزيز قدرات البحث في الجامعات المحلية بما في ذلك استحداث برنامج للمنح البحثية في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وبدعم من وزارة التعليم العالي بالتنسيق والدعم من وزارة الصحة والمؤسسات الصحية الأخرى الحكومية والخاصة، حتى تصبح لدينا كوادر تتفرغ لإجراء البحوث والتعامل مع الأمراض الفتاكة، كي لا نضطر دائماً للتلفت حولنا ونذهب لمشارق الأرض ومغاربها كلما أثقل علينا أحد تلك الأمراض.وبالإضافة لإطلاق برنامج منتظم وراتب للبحوث في الأوبئة والأمراض المتفشية الخطيرة، فلعل من الملائم أن نوثق تجربتينا السابقتين مع "كورونا"، ولا بأس أن نعقد من أجل ذلك مؤتمراً أو أكثر وندوات وورش عمل في أنحاء المملكة، رغبة في استخلاص الخبرة وتقنينها وإتاحتها للباحثين والمهتمين للتأمل والتفكرّ وصولاً للدروس المستفادة ووضع خطة تنفيذية بما يمكن القيام به لتحسين استعداداتنا والتخفيف من المخاطر في المستقبل. فكل ذلك سيعني الارتقاء بمنهجية التعامل أخذاً في الاعتبار الواقع كما هو وما يجب أن نحدثه من تغيير وتطوير على مستوى الموارد البشرية والاستعدادات الأخرى، بما في ذلك التعاون مع جهات بحثية أو تقنية خارج المملكة لحماية المجتمع أولاً وقبل أي شيء، وصيانة سمعة البلاد وتحصين نظامها الصحي إجمالاً. وفوق ذلك، بلادنا مفتوحة لاعتبارات الحج والعمرة والزيارة للمسلمين من كل أنحاء الدنيا، وكذلك حركة ملايين من العمالة التي تفد من أنحاء المعمورة، وهو تحد - دون شك - يمثل فرصة لأن نكون في مقدمة البلدان بحثاً وإنتاجاً علمياً في مجال الأمراض الوبائية والمستعصية.وعند استعراض ما مضى، فإن نسينا فيجب ألا ننسى أن المستشفيات كانت تضطر ألا تستقبل الحالات التي يشتبه في أنها "كورونا"، وهذا مفهوم قد يكون مرده أن تلك المستشفيات لم تكن تمتلك استعدادات العزل التنفسي. أما المربك أنها كانت ترد المريض دون أن توجهه إلى مركز مجهز لاستقباله! ويبدو أن هناك مراكز استحدثت وتستحدث إثر ما مرّ خلال غزوة "كورونا" الثانية، فضلاً عن أن بلادنا شاسعة وبعد تجارب متتابعة مع الأمراض وثبوت الحاجة لتوفير مراكز للعزل على تنوعها. فلابد من التحرك على مستويين، أحدهما: إيجاد مراكز حكومية متخصصة، وثانيهما: العمل على الارتقاء بإمكانات المستشفيات الحكومية العامة وتلك التي يملكها القطاع الخاص لتكون مؤهلة للتعامل مع الحالات التنفسية الصعبة. وقد يتطلب ذلك تعديلات في البنية التحية كفصل ممرات عزل الهواء وتنقيته ضمن أمور أخرى، ما يعني تحمل تكاليف رأسمالية إضافية. وهناك أكثر من مبرر للقيام بذلك: الرغبة في السيطرة على الحالات الموبوءة في أماكن مجهزة بما يحدّ من انتشار المرض وانتقاله لأفراد الأسرة أو للطاقم الطبي الذي يباشر المريض، السعي لجعل المملكة مركزاً للتميز والاشعاع في بحوث الأمراض المستعصية على تنوعها. إذ يبدو أن موقع المملكة وطبيعة مناخها واستقبالها البشر من كل حدب وصوب يؤهلها لتصبح مركزاً عالمياً. وقد كنا زاهدين طوال الوقت في استغلال تلك الفرصة، بل كنا ننظر للأمر برمته باعتباره تهديداً، لكن عند النظر للأمر من زواياه المتعددة لا سيما الطفرة الكبيرة في عدد الجامعات الحكومية وانتشارها في أنحاء المملكة، وامتلاك معظمها كليات للعلوم وللطب، فيمكن اعتبارها بذرة لشبكة بحثية تساهم في تحقيق الهدف العلمي البحثي، وفي المساهمة في سعي المملكة ضدّ مخاطر تلك الأمراض والتعامل معها منهجياً.