د. محمد الغامدي

«بباسي» داعش

في أوّل مقطع فيديو اشتهر بعد تهاوي الجيش الطائفي في الموصل ظهر فيه تصوير لتموين أحد مقرّات ذلك الجيش مصحوبا بأصوات شباب يافعين منذهلين من كمية الدجاج و«البباسي» - على حد تعبيرهم - التي هي مفردة سعودية موغلة في العامية يريدون بها جمع كلمة «بيبسي» أي: مشروبات السكر الغازية. لستُ محللا نفسيا، لكن يمكنني أن أركن إلى انطباع وقع في نفسي أن هؤلاء المتحدثين في المقطع هم أطفال كبروا قليلا، مع قوة في الجسد تذكّر بقول العامة: «ّخبْل متعافي»!بعد مشاهدة المقطع، وبعد استدعاء تاريخ البؤر الساخنة التي حضرت فيها «رايات شرعية» يتمثل سؤال مُرّ:لماذا يكون الشباب السعودي وقودا مهما لكل تلك الصراعات؟بعبارة أخرى: لماذا يسْهُل اصطيادهم وتسفيرهم وتجنيدهم مع أن من يحرّض على ذلك ويدعمه بالفتوى أو المال هم أخفياء وقد يكونون من المجاهيل في أغلب الأزمات؟ستأتي الإجابة التي مللنا من تكرار أحد التيارات لها مع تهافتها التي تلوم عقيدتنا وخطابنا الشرعي وتعليمنا الشرعي والتعليم المختطف...الخ. وأسهل إيراد على هذا هو : لماذا يوجد مع أبنائنا شباب من تونس بورقيبة وليبيا القذافي بل وشباب من بريطانيا والولايات المتحدة؟ هل بسبب خطابهم الديني وتعليمهم المختطف؟!(أرجو ألا يورِد أحدٌ عليَّ النِّسَبَ والأعداد، فنحن أقرب جغرافيا، وبلدنا مركز العالم الإسلامي وقِبْلَته وأكثر شعوبه تدينا ومحافظة وهذا أمر له أثره). سأكون مُحددا وواضحا في محاولة الإجابة عن «السؤال المُرّ» :1- إن أوّل جهة ألقي عليها اللوم هي وزارة الشؤون الإسلامية التي أرى أنها شُغِلَت عن رسالتها في نظري، لتتفرغ لأدوار تضطلع بها بكل كفاءة الجهات الأمنية بما يشهد به الجميع. من السهل على هذه الوزارة أن تمنع وتوقف وتتشرط بما يشبه الاستفزاز من أجل إقامة محاضرة أو منشط لـ «كائن من كان» دون أن تقدم بديلا يُذكر سوى فكرة يتيمة هي «كُن داعيا». وخلاصة القول في نقد أداء الوزارة: إن المُربّي الحاذق حقا يقبل أن تبقى علاقته بأولاده قوية شفافة مترعة بالثقة ولو اتسع هامش التغاضي والتعايش مع زللهم عنده، ويُعْمِل قُدراته لجَسْر ذلك، والارتقاء بهم. إذ البديل هو قطع العلائق النفسية، والارتباط الوجداني، فيجهرون بأشنع عداوة، أو يُظهرون له ما يُحب مُصَانعة له، ويفعلون من خلفه ما يرون!2- وزارة الشؤون الاجتماعية التي فشلت في «صُنع» خطاب اجتماعي، ومشاريع اجتماعية تتناسب مع التركيبة الاجتماعية الفريدة عندنا من جهتين، الأولى: كون هويتنا إسلامية شرعية ملتزمة، وكل عمل اجتماعي لا يُشبع ويروي هذه الجهة محكوم بالمحدودية أو الفشل. والثانية: كون الشباب من الجنسين غالبية كبيرة في مجتمعنا. إن أداء هذه الوزارة مُخجل في نظري، فلا تعنيني الأرقام التي تأذنُ لها جهات رقابية، فمن مأثور القول:» مِن ثِمارهم تعرفونهم». وكفى.3- رعاية الشباب (ما غيرها.. راعية الكُرة والاحتراف) فإما أن يغيّر اسمها إلى: «رعاية الكُرة»، وإما أن تغير مهامها بنسبة كبيرة جدا. فَمَن يأتي إلى بلد عظيم، يقود العالم المُسلم، ويتوجه إليه كل يوم أكثر من مليار مسلم، وكل سنة يكون محجّ المسلمين، وهناك ملايين من شباب الوطن من الجنسين لديهم تطلعات وهوايات واهتمامات وقدرات وإمكانات متنوعة، الوطن ينتظر منهم الكثير الكثير ليجد أن لافتة كبيرة كُتب فيها «رعاية الشباب» وتحتها انكفاء على ما يخص ألعاب الكُرة؛ مَن يَجِد ذلك سيكون في غاية الذهول وربما الصدمة. ولعل أفضل حل هو تغيير مسماها، وإنشاء وزارة جديدة تُعنى بالشباب، وتسمح لهم بالتجمع والعمل والتواصل..الخ في جو من الثقة.ختاما: الحقيقة أن وسائل الإعلام طبعت في نفوسنا أن «البطل الوطني» هو لاعب كُرة، أو شاعر شعبي، أو مُغنٍّ، فمن ينفر من ذلك كُلّه أو لا يكترث به، قد لا يجد بديلا.وهنا انتهت مساحة المقال، وأستودع الله تعالى شباب بلدنا العظيم.