د. إحسان بوحليقة

ربيع «قلب الطاولة»

عندما نتحدث عن مرحلة جديدة وظروف متغيرة تحيط بمنطقتنا العربية، فماذا نقصد تحديداً؟ لعلنا نقصد التغيرّ حتى نتواءم مع الظروف المحيطة ومستجداتها، لكن لكلمة "تغيّر" أكثر من استخدام، ففي الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي كانت تلك الكلمة هي مرتكز الحملة، ولا أدري إن نجح في إحداث تغيّر في بلاده أم لا، لكنه خرج من الحروب التي دخل فيها سلفه، فأصبحت أمريكا "مهادنة" بعد أن كانت "جسورة" أو عاتية على قول آخر. وعوداً إلى منطقتنا، فما التغيّر المطلوب أن نحدثه؟ هناك من قد يجادل أن لا حاجة لأي تغيّر، وأن من يطلب التغيّر أو التعديل أو التبديل هم الواهمون والمرجفون! بغض النظر عن وجهة النظر تلك وتكريسها للجمود، أتساءل: هل نحن بحاجة لتغيّر؟ الإجابة البديهية هي نعم، فكما يقال التغيّر هو الثابت في حياتنا، فكل منا يتغير، يكبر في العمر، تتغير علاقاته، تتغير صحته، تتغير ثروته، وتتغير عواطفه. والبلدان تتغير كذلك بتغير أوضاعها الاجتماعية - الاقتصادية وتوجهاتها وتحالفاتها السياسية، كما أنها تتغيّر بتغيّر محيطها، وبما يؤثر عليها من متغيرات السياسة العالمية اقتصادياً أو حتى سياسياً، فتحالفات الدول ليست ثابتة ولا مستقرة، لنأخذ أمثلة، كيف أثرت الأزمة المالية التي بدأت في أمريكا في العام 2008 على بلدان العالم، فقد كادت أن تعصف حتى ببلد وادع وبعيد مثل أيسلندا، وقبل ذلك لنتذكر كيف أثرت الأزمة الآسيوية على البلدان حديثة التصنيع وأخذتها للوراء عدة سنوات، وتبع ذلك تراجع أسعار النفط لما دون العشرة دولارات فتأثرت اقتصاداتنا بالنتيجة، وعندما تفكك الاتحاد السوفيتي، كاد انفراط عقده أن يوجد عالما جديداً بالفعل، وقد تكفي نظرة لخارطة الاتحاد الأوروبي للتعرف على مدى ذلك التأثير. وأعود إلى منطقتنا لأسأل: هل التغيّر المطلوب في البلدان الذي مرّ بها ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي هو ما وقع لتلك البلدان؟، بمعنى هل المطلوب عودة للشدة ولسياسة الانفراد والاستئثار؟، أم المطلوب المشاركة في القرار والحفاظ على الحقوق والكفاءة في توزيع الثروة والفرص؟، بمعنى، هل التغيير المطلوب هو إعادة إنتاج ما هو قائم بنسخة أخرى؟!، بالتأكيد لا، إذاً لم كل هذا القتل والدمار؟، لعل التغيير المطلوب هو أن تخرج المنطقة العربية من إطار وضعها فيه الانتداب والاستعمار، وحان الوقت أن تخرج من تخرصات ما بعد الاستعمار والانتداب، وهي تخرصات دامت ما يزيد على الخمسين سنة. حالياً، منطقتنا تبحث عن بوصلة جديدة لتحقيق الرفاهية والتقدم لأبنائها بعيداً عن مثاقفات ما بعد الانتداب، التي لم تنفع سورياً، ولم تنفع في العراق، ووقفت عاجزة في مصر، وفشلت في تونس. إذا، التغيير المطلوب هو التوجه للحكم الرشيد، وهو مفهوم يقوم على صيانة الوطن والمواطن في آنٍ، والسعي حثيثاً لتحقيق الرفاه والاستدامة. لنأخذ حالة عملية، فنجد في مصر بداية جديدة تنتهج صرامة اقتصادية قديمة، تعيدنا لأيام "شَدّ الحزام"، في حين أن التقشف المطلق لا يجلب بالضرورة أفضل النتائج مقارنة بالحفز الاقتصادي والسعي حثيثاً لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الأمن، ومع ذلك نجد أن هناك من يقول: إن إجراءات رفع الأسعار لن تؤثر على الطبقة الفقيرة! لا أدري إن كانت نتائج "شَدّ الحزام" ستحقق ما تتوخاه الحكومة هناك، سننتظر ونرى. والنقطة هنا لا تقوم على تقييم السياسة الاقتصادية الجديدة لمصر بل لبيان أن ثمة أمورا قد تأخذك في دوائر مغلقة، ولو حتى انطباعياً، بمعنى أن من المصريين من ما زال يذكر مرحلة التقشف، وعليه سيكون التساؤل: كأننا جربنا هذا من قبل فلم نجربه مجدداً؟ ما أقوله: إن الصفحات الجديدة بحاجة لعناوين جديدة ليست مكررة، ويبدو أن كل ما جلبه الربيع العربي حتى الآن عناوين مكررة.وهكذا، نجد أن إحداث التغيير لا يحتاج إلى حروب وثورات، بل يحتاج إلى عقول تدرك أن وقت التواؤم والتماهي مع العالم المتغير قد أزف، وقد تكون العقول مبادرة فتستبق التقلبات وتستعد لها، ولا بد من الإقرار بأنه ليس سهلاً التنبؤ بالتغيرات ولكن بالإمكان رصد مؤشراتها وتوجهاتها، كما يسعى القبطان للتعرف على اتجاه الريح وقوتها، وبعد ذلك يرسم خارطة طريقه، وليس بوسع قبطان حاذق أن يقول هذا طريقي وعلى الريح أن ترسم خارطتها! ولذا، فالتغيير لا يعني تفريطاً في القناعات بقدر ما هو تعايش مع عوامل ليس بوسعنا التحكم فيها ولا مناص من التفاعل معها، أما من يصرّ على العنف لإحداث تغيير من خلاله بفرض واقع جديد، فهو ليس مهتماً بالتغيير ابتداء، بل بقلب الطاولة حتى يُعيد وضع الأشياء عليها من جديد، أي أنه مهتم بأن يصبح هو صاحب القرار وبعدها لكل حادث حديث!.