الناس والكلاب هنا وهناك
ربما يستغرب الربط بين الناس والكلاب في مقارنة بين أمكنة ثقافية مختلفة؛ فكثير منا يظن أن الناس هي التي تختلف من بيئة اجتماعية، ومكوناتها الثقافية المتميزة، عن البيئات الأخرى.لكن الحيوانات أيضاً تتطبع بالسمات الأنثروبولوجية التي تحط في البيئة، وتصنع فكر الإنسان، والكائنات الأخرى من حوله.فالحيوانات الأليفة في البلدان المتحضرة تسلك طرقاً معروفة في مشيها، وجلوسها ونومها وتعاملها مع الكائنات الأخرى من غير أصحابها، بل وفي طرق التخلص من فضلاتها.فهل تلك الحيوانات تختلف عن حيواناتنا جينياً، أم إنها هي هي، وما يغير تلك عن هذه هي طرق التربية التي تجدها في تلك البلدان المتقدمة في تطبيع الإنسان وكل الكائنات على طرق سلوك مقننة؟فالعرب تعاملوا مع الكلاب منذ أمد بعيد جداً، وكانت بينهم وبين كلابهم، كما كان بينهم وبين إبلهم صلة قوية جداً؛ فتمرست الكلاب آنذاك على ما كان يريده مربوها منها، ويتوقعون أن تفعله، سواء كانت كلاب صيد أو حراسة.وعندما لم يعودوا معنيين بمصير حيواناتهم وسلوكها، أصبحت حيوانات العرب الأليفة (غير المستأنسة) من الكلاب والقطط من أسوأ أبناء جنسها سلوكاً، وأقلها نظافة وتآلفاً مع محيطها.وعلى غرار هذا الانفلات نجد الوضع نفسه منطبقاً على الكائنات الأصل؛ الإنسان في بيئته الثقافية والاجتماعية ذات السمات الأنثروبولوجية المميزة.فلنلاحظ الآن كيف يتعامل العربي مع البشر من حوله، في دوائرهم المختلفة؛ من القرابات الأبعد. فالأبعد إلى البيئة المحيطة بهم اجتماعياً، ووصولاً إلى المجتمعات المختلفة عنهم في المكونات الثقافية والاجتماعية.كما نجد كزازة في التعامل مع كل اختلاف عما تعودوا عليه، وعنفاً في التعبير عما يتبنونه من آراء وأفكار؛ إضافة إلى عدم معرفة بما عليهم أن يعنوا به، أو مما هو ليس من شؤونهم.وكلما زادت أصالة هذه الثقافة؛ وهي في شبه الجزيرة العربية أصيلة بامتياز، وجدنا أن هذه المعايير تبلغ مداها، إذ نجد - على سبيل المثال - في مجالسهم ومنتدياتهم ووسائل التواصل الاجتماعي بينهم اهتماماً متزايداً بما ليس من شؤونهم، وعنفاً في التعبير عن وجهات نظرهم، وعدم قبول للاختلاف بكل أشكاله حتى في المجالات التي يكون في الأمر سعة للاختلاف بمقاييس ثقافات البشر جميعاً. فمن أمثلة هذه الحالة الأخيرة وجدت أثناء تصفحي لبعض الآراء التي قرأتها عن توقعات بعضهم للفريق الذي سيفوز بنسخة هذه الدورة من بطولة كأس العالم لكرة القدم في البرازيل. مقولات يصعب استيعابها من مثل: "يوجد بعض العاهات الذين يرشحون البرازيل أو ألمانيا للفوز بهذا الكأس، وأنا فريقي الذي أرشحه وسيأخذ الكأس هو اسبانيا بلا منازع" (وبالطبع كان هذا القول قبل أن تنهزم اسبانيا من هولندا ثم من تشيلي وتغادر ).حسناً، ألا يمكن أن يعبر عن ترشيحه وبما أراد من القوة لاسبانيا، دون أن يصف من يرشحون فرقاً أخرى بأنهم "عاهات"؟أما في تلك البقاع التي لم تصلها العدوى، فإن الناس يعرفون حدودهم، وحضارة تطبيق القوانين تمنع من تسول له نفسه ألا يتوقف عند حدوده، بل إنهم - زيادة على ذلك - لا يقحمون أنفسهم فيما لا يعنيهم.فحتى فيما يخص مباريات كأس العالم وتوقعاتها أو ردود الفعل تجاه نتائجها؛ نجد أن من تستهويه كرة القدم يتابعها باهتمام، وتنتهي المتعة أو خيبة الأمل عند انتهاء المباراة، ومن لا يُعنى بها. فربما لا يعرف عنها أو عن مواعيدها شيئاً، ولا يقحم نفسه فيما لا يستهويه، فهلا تعلمنا من أولئك الأقران شيئاً يجنبنا الاهتمام بما لا يعنينا، وترك هامش الحريات والحق للناس في التعبير عن آرائهم.