د. أمل الطعيمي

بين الإيمان والإسلام

يشغلني التأمل كثيراً في المقارنة بين حالتنا الإسلامية والإيمانية ومقارنة مواقفنا بين ماهو من متطلبات كوننا من المسلمين ومتطلبات الإيمان وهناك فرق كبير بين الحالتين كما هو الفرق بين الإسلام والإيمان (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) هذه الآية تكشف لنا أحوالنا حين نظن أننا نؤدي حق الإسلام وحق الإيمان كما يريد لنا الله. ولا أعني البسطاء من الناس فقط ولكن أيضاً أولئك الذين يحتلون درجات دينية عالية في الدنيا بحكم شهاداتهم العلمية أو مكانتهم التي صنعوها لأنفسهم! وقد تجد عالماً مسلماً فقط وتجد جاهلاً ولكنه مسلم ومؤمن يؤدي أركان هذا وذاك وقد يتساويان في اهمال كثير من بعض الجوانب الإيمانية كحال كثير منا ممن يظهر تناقضهم في الأخذ ببعض متطلبات الإيمان واهمال بعض آخر. ولهذا كان النداء الرباني يوجه إلينا في كثير من الآيات بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) فيأمرنا بما هو خير وينهانا عما هو شر. والغريب أننا ننتقي ما ننتهي عنه وما نستجيب له وبخاصة فيما يتعلق بالآيات التي جاءت بالأوامر التأديبية التي تهذب الأخلاق وتعالج الخلل في المعاملات.خذ على سبيل المثال في الفرق في النظرة الدينية والاجتماعية بين من يشرب الخمر ومن يتجسس أو يغتاب أو غيرها من علل التعامل العام والخاص في العلاقات الإنسانية. يقول الله عز وجل (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) ويقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) لقد حرمت الخمر ووضعت لها الحدود المدنية لأن كتاب الله لم يأت بحد لشارب الخمر. وهو أمر متعارف عليه من باب التعزير الذي تملك حقه الهيئة التشريعية في التنظيم المدني وقد عد ابن عثيمين تنوع حد شارب الخمر في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قبيل الحد المدني. إن ما أريد الإشارة إليه هنا هو مدى حرصنا على معاقبة شارب الخمر لأن فعله يترتب عليه فقدانه المؤقت لعقله وبالتالي إيذاء الآخرين بالقول والعمل وهذا بالإضافة إلى النظرة الاجتماعية له. ولا نتعامل بالطريقة نفسها أو ما يقرب منها مع كثير من النواهي التي لا حد لها! مع أنه حري بالمرء الحاضر بعقله والواعي لتصرفاته أن يكف أذاه عن الآخرين بناء على ذلك الحضور العقلي والوعي بالمخاطر. وإذا تساءلنا لماذا لا يحدث ذلك؟ مع أن بيان سوء التصرف متقارب وصيغة الأمر الرباني في الآيتين واحد فقد وصف الله الخمر وغيرهابأنه رجس من عمل الشيطان (فاجتنبوه لعلكم تفلحون) وقال عن العيوب الأخرى (اجتنبوا كثيراً من الظن) وصور سوء التصرف بصورة مكروهة تأنف منها النفوس السوية (أكل لحم أخيه ميتاً) فالأمر الرباني واحد (اجتنبوا). فما بالنا ندرك أهمية الانتهاء عن الأول ولا نكترث بالثاني وكأن الأول أمر والثاني ترك لنا فيه الخيار شأنه في ذلك شأن كثير من النواهي المتصلة بالأخلاق والتعامل بين الناس والتي يضمن لنا العمل بها معالجة كثير من قضايانا اليومية التي تتطلب التهذيب!