د. فالح العجمي

تغير العالم في عقدين من الزمان

من يصدق عدداً من المشاهد التي تدهش المراقب المتمعن في متغيرات المكان والزمان؟ في مطلع تسعينات القرن الميلادي الماضي كانت أمور العالم -كل العالم- مختلفة عنها في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ بدءاً من الأمور البسيطة الواضحة في شوارع بلدان العالم المتقدم، إلى طرق التحكم والسيطرة على مقدرات العالم، ووسائل الحصول على مفاصل القرار.لمن لا يعلم أو لا يتذكر أن مدن أوربا الشمالية(البروتستانتية وليست الكاثوليكية في الجنوب) كانت تنقطع شرايين الحياة فيها في منتصف يوم السبت من كل أسبوع إلى صباح يوم الاثنين؛ حيث لا تبقى محلات مفتوحة عدا المطاعم أو المقاهي وما أشبهها. فيصبح من لم يستعد لذلك بشراء حاجياته من يوم الجمعة أو صباح السبت على أبعد تقدير في أزمة حتى في ضروريات الحياة الرئيسة، مثل: الخبز ومواد الغذاء الأولية.هل الظروف العالمية هي التي تغيرت، أم إن رؤية الناس للأشياء والوضع الحضاري برمته هي التي اهتزت أو ربت فوق كثبان السراب المعلوم؟أما الآن، وفي هذه الأيام بالذات، أتجول يوم الأحد في بلدان تعد معقل الكاثوليكية، فأجد المحلات بكل أصنافها مفتوحة، خاصة ما يخص الطعام وحاجات الغذاء. أين تحريم فتح المحلات على المسيحيين، الذي كان يستفيد منه بعض أتباع الديانات الأخرى، فيفتحون محلاتهم في يوم الأحد؟ كل ذلك تبخر تحت ضغط الاقتصاد، والتحول العالمي عن قيم الانغلاق في تعليمات الكهنوت!أما فيما يخص أمور السيطرة، وتحول مراكز القوى، فقد شهدت فعلاً انزياحاً كبيراً؛ إذ أصبحنا نجد أسماء الشركات الآسيوية، والصينية منها على وجه الخصوص، تتزين بها أعرق مواقع المدن الغربية الرأسمالية، تبعاً لتغير موازين القوى الاقتصادية في العالم. فقد أصبحت عدد من تلك الشركات العابرة للقارات تتخير أي المؤسسات الغربية تدعمها أو تشتريها، وأي المصانع المفلسة أو المنهارة في بعض قطاعاتها الصناعية تنساق إليها؛ في حين تترك البقية لمصيرها، أو لبعض المقلدين من مستثمري الشرق، الذين عكفوا على ما ظنوا بأنه اقتناص الفرص بشراء بعض المؤسسات العريقة وذات الأصول المتهالكة. ويدخل أيضاً في تلك الاستثمارات، ما قامت به بعض الشركات الشرقية أو الأفراد من الشرق، بشراء الأندية الرياضية التي لم يعد لها مستقبل في المنافسة الجادة.ويقابل ذلك من التغيرات في شرقنا العربي، ما يعرفه كثير منا، لكن بعضنا يغرق في ملاحظة التفاصيل الصغيرة، دون أن يهتم برسم الصورة الكاملة للمشهد. ففي بداية الحقبة كان الشرق العربي كتلة اقتصادية ونسيجاً سياسياً - اجتماعياً يمكن أن يعتد به لتكوين كتلة ثقافية بشرية بين الأمم. لكن تسارع التغيرات الجيوسياسية كانت كبيرة جداً، إلى الدرجة التي لم يتصور أحد أن تصبح بقعة جغرافية واسعة، وتتوسط قارات العالم، وتحتفظ بإرث ثقافي عريق في خلال عقدين من الزمان في مهب الريح.بالطبع، الأمر تطور بصورة دراماتيكية بين قوى خائرة؛ تبحث عن المنافع التي تسهّل لها ابتزاز المخيلة الشعبية بأحلام طوباوية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تمت كذلك إلى الواقع بصلة. ويقابلها قوى الاستبداد التي لم توفر أجساد البلدان المغلوب على أمرها؛ فنهشت ما استطاعت، وتركت تلك القوى المصدرة للوهم تعيش في حلقة مفرغة.فهل الظروف العالمية هي التي تغيرت، أم إن رؤية الناس للأشياء والوضع الحضاري برمته هي التي اهتزت أو ربت فوق كثبان السراب المعلوم؟ لا يستطيع أحد أن يجزم بأي منهما هو الأقرب للواقع، إلا بعد أن تتبلور سمات ما يجري في إطار الثقافة السياسية، وتكوّن الكتل الاجتماعية الجديدة، التي ستحل بديلة عما قبل التسعينات الميلادية. لكن شيئاً واحداً يمكن تبينه، هو تسارع العوامل أكثر من قدرة الفهم!