ملعب لكل حارة
لكل جيل أبطاله الكرويون، كان بيليه أسطورة الكرة بالنسبة لي، لاعب عبقري. هو مضى وترك الملاعب، لكن عبقريته بقيت. للبرازيل مدرسة وفلسفة تجدها على أرض الملعب وفي عقول اللاعبين والمدربين، فالإبداع الكروي يولد في الأقدام التي تركل الكرة، وليس على الطاولات الخشبية الأنيقة ومن أصحاب الملابس المنشاة الثمينة، في الاجتماعات تعقد الصفقات ولا تولد العبقريات. فمثلاً، كان بيليه يلعب لفريق سانتوس، وسانتوس مزروع في الحواري، لاعبوه من الحواري، وأبطاله من الحواري، وإداريوه من الحواري، أي فريق منسجم يفهم بعضه بعضاً. والنقطة هنا أن العبقرية الكروية لا ينتجها الإداريون وأعضاء الشرف أو الممولون، بل أرجل اللاعبين وذكاؤهم وفطنة ودهاء من يدربهم، مهما كانت البدايات بسيطة والموارد متواضعة.لماذا نحن خارج المنافسات العالمية؟ وهل سنكون ضمنها في المستقبل المنظور؟ لن تجد إجابة شافية، بسبب أن نفسنا قصير، في حين أن الوصول للبطولات العالمية وتحديداً كأس العالم يحتاج لنفس طويل. لنترك البرازيل وعبقرية بيليه، ومن أتى بعده، ولننظر لفريق بلجيكا. اللاعبون البلجيك المحترفون خارج وطنهم، هم عماد الفريق الأول الذي مَثلَ المملكة الأوربية الثرية في كأس العالم. يلعبون لصالح أعظم نوادي العالم، وفي البطولات الدولية ذات التمثيل الوطني ينضمون لفريق بلدهم الأم. تتبع بلجيكا منهجية مملة نعرفها جميعاً ونتحدث عنها الآن ومنذ عقود طويلة، لكننا لا نطبقها، وهي الاعتناء بالصغار والموهوبين كروياً، ولن تستطيع الاعتناء بهم إن لم تعرفهم، وكيف تكتشفهم إن لم تملك آلية وتطبقها بحذافيرها، بدون هوادة، ومن خلال أشخاص متحفزين متجردين راغبين في بناء جيل من اللاعبين المحترفين، وليس تتبع أفراد هنا وهناك والاعتماد على الصدفة أكثر من الاعتماد على منهجية مستقرة لاكتشاف اللاعبين وتطويرهم بناء على عبقرتيهم الكروية وليس لأي اعتبار آخر. اكتشاف واحتضان وتطوير اللاعبين الصغار حتى يكبروا ويصبحوا محترفين محليين أو إقليميين أو حتى عالميين يتطلب التواجد في كل قرية وهجرة وبلدة، فليس هناك من يقول إنها مركزة في المدن أو حيث تتواجد النوادي. ولعل أحد الخيارات الترتيب مع وزارة التربية والتعليم، التي تنتشر مدارسها في كل أنحاء مملكتنا، وكجزء من الترتيب التأكد أن كل تجمع سكاني فيه ملعب لكرة القدم، قد يكون الملعب التابع للمدرسة في هجرة من الهجر، لكن لا بد من تطوير ملعب، ولا أقول استاد رياضي، بل أي ملعب بالأبعاد المعتمدة دولياً، ولو كان ترابياً، المهم أن يكون متاحاً للصبية للعلب، وأن يكون ثمة شخص مؤهل (مدرس التربية البدنية في المدرسة مثلاً) يرعى الجهد وينسق له. كما ذكرت ليس في الأمر جديد، هذا ما اتبعته بلجيكا وما زالت، وما تتبعه العديد من الدول، والعبرة ليس بالأفكار بل بتطبيقها، بمعنى أنه سيصبح لدينا فريق يستطيع أن ينافس كما تتطور الكرة السعودية من الجذور، برعاية الصغار في الحواري والحارات والأحياء، فهي التي "ستنتج" لاعبين. بعبارة أخرى، إن الكرة ستتطور بتهيئة الملاعب في كل مكان، وتسهيل أمر وصول الصغار للملاعب، والأفضل سيبرز قطعاً؛ فالقدرة والموهوبة تفرض ذاتها على الجميع. أعود ثانية لمقولة الأسطورة بيليه: إن حللت الأول فأنت الأول، وإن حللتَ ثانياً فأنت لا شيء. وبهذه العقلية علينا أن نسعى لبناء الكرة السعودية، من الجذور وليس من القمم.