د. ابراهيم العثيمين

قمة الرياض - القاهرة في طائرة خادم الحرمين الشريفين

يمكن قراءة زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الى القاهرة في طريق عودته من المغرب إلى السعودية يوم السبت الماضي 21 يونيو 2014 التي استغرقت نحو 40 دقيقة جرى خلالها تجديد تهنئة الرئيس السيسي بانتخابه رئيسا لجمهورية مصر العربية، على عدة مستويات. فالتوقيت السياسي لهذه الزيارة له العديد من الأهداف ولا يقتصر فقط على مجرد الاستعراض البروتوكولي والدبلوماسي، اذا حاولت الرياض خلال الزيارة إرسال رسائل لعدة أطراف معنية بالأزمة المصرية.فقد جاءت هذه الزيارة في وقت مهم للغاية لتؤكد ان المملكة - بما تشكله من ثقل اقليمي ودولي - مع مصر واستقرارها وتدعم قيادتها الجديدة المنتخبة ديمقراطيا. فكانت زيارة الملك عبدالله للقاهرة، وقبل ذلك حضور ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز، مراسم تسلم المشير عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر، تمثل اعترافا صريحا من جانب السعودية بشرعية ثورة 30 يونيو وشرعية الرئيس المنتخب عبدالفتاح السيسى.جاءت هذه الزيارة في وقت مهم للغاية لتؤكد ان المملكة - بما تشكله من ثقل اقليمي ودولي - مع مصر واستقرارها وتدعم قيادتها الجديدة المنتخبة ديمقراطيا ورسالة واضحة بأن الرياض لن تتخلى عن القاهرة لعودتها لدورها الاقليمي كعنصر رئيس في استقرار المنطقة. وكان هذا الدعم واضحا في برقية الملك عبدالله التي هنأ فيها الرئيس السيسي، مؤكدا على أهمية هذا اليوم التاريخي في مسيرة مصر. كما أكد أن من يتخاذل اليوم عن تلبية هذا الواجب فإنه لا مكان له غداً بيننا إذا ما ألمت به المحن وأحاطت به الأزمات. وأضاف الملك في برقيته: "إن المساس بمصر ، يعد مساساً بالإسلام والعروبة، وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة العربية السعودية، وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه". فجاءت هذه الزيارة لتؤكد هذا الدعم خاصة بعد ان أثبتت مصر قدرتها على المضي في خطة خارطة الطريق التي وضعت بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.أيضا تزامنت هذه الزيارة مع الجدل في الكونجرس الامريكي حول تخفيض المساعدات المقدمة لمصر، حيث وافق مجلس الشيوخ الامريكي على مشروع قانون أعدته اللجنة الفرعية للمخصصات الخارجية يقضي تخفيض 26 % من المساعدات المقدمة لمصر بما يصل إلى 400 مليون دولار في ميزانية 2015.  وبالتالي تكون المساعدات الامريكية لمصر قد قلصت الى مليار دولار مشروطة بالديمقراطية وحقوق الانسان. وكان السيناتور الأمريكي باتريك ليهى - رئيس اللجنة الفرعية للمخصصات بمجلس الشيوخ التي تشرف على المساعدات الخارجية - هو من يقف وراء هذا القرار الذي عرف بانه من أبرز المنتقدين لسجل حقوق الإنسان في مصر بالكونجرس. يقول في كلمة له بمجلس الشيوخ الامريكي: "لست مستعدا للموافقة على تسليم مساعدات إضافية للجيش المصري.. لست مستعدا لفعل ذلك إلى أن نلمس أدلة مقنعة على التزام الحكومة (المصرية) بسيادة القانون". ويقول السيناتور ليندسى جراهام، أرفع عضو جمهورى بلجنة المخصصات والعمليات الأجنبية بمجلس الشيوخ، بشيء من الابتزاز الواضح : "أرى أنه يجب تذكير الحكومة فى مصر بأننا نتوقع منها المضي قدماً نحو الديمقراطية. فنحن نريد أن نساعدها، لكن يتعين عليها مساعدة نفسها. فالانتخابات الرئاسية الأخيرة محل شكوك، وهذه هي الرسالة التي نحاول إرسالها"، وبالتالي جاءت هذه الزيارة لتأكيد ما أعلن من قبل على لسان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي بأن السعودية وباقي الدول العربية مستعدة لتعويض المساعدات التي تهدد بها واشنطن بقطعها عن مصر. يقول الفيصل: «من أعلن وقف مساعدته لمصر أو يلوح بوقفها فإن الأمة العربية والإسلامية غنية بأبنائها وإمكاناتها ولن تتأخر عن تقديم يد العون لمصر». ثم جاءت دعوة الملك عبدالله لعقد مؤتمر لأصدقاء مصر المانحين لمساعدة مصر في تجاوز أزمتها الاقتصادية فور الإعلان رسمياً عن فوز قائد الجيش السابق عبدالفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة. وهذا ما دفع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في زيارته الخاطفة الى القاهرة  التي أعقبت زيارة الملك عبدالله، الى الاسراع بالإعلان عن ان حكومة أوباما تدعم الرئيس المصري الجديد عبدالفتاح السيسي، وتعهد خلال الزيارة بإنهاء تجميد المساعدات وعودتها إلى معدلاتها الطبيعية بما في ذلك الافراج عن 10 مروحيات من طراز «أباتشي» التي قال: إنها «ستصل قريباً».الرسالة الثالثة: إن هذه الزيارة تزامنت كذلك مع محادثات واشنطن وطهران حول الأزمة المتصاعدة في العراق على هامش النووية في فيينا، التي تمثل المرة الأولى التي يواجه فيها البلدان أغراضًا أمنية مشتركة منذ التعاون الاستخباراتي العسكري لمواجهة حركة طالبان في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، التي تشير الى ان هناك صفقة امريكية ايرانية - فيما يختص بالعراق - قد ترضي طموحات ايران التوسعية على حساب أمن الخليج والمنطقة العربية، لا سيما ان هناك أصواتا داخل النخب السياسية الأمريكية كانت ومازالت ترى استعادة ايران نفوذها في المنطقة ولعب دورها التقليدي كشرطي للخليج مثل: زبغينو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأسبق، والجنرال ويليام أودوم الرئيس الأسبق لوكالة الأمن القومي اللذين دعوا في تقرير لهما الى إعادة إيران كشرطي للخليج العربي من جديد، منتقدين السياسة الامريكية الحالية تجاه ايران. وعليه فهذه الزيارة تعمل على عودة المحور السعودي - المصري بكل ما له من مكانة وثقل في العالم العربي، ليكون محورا سعوديا - مصريا مقابل الأطماع الايرانية في العراق والمنطقة، لا سيما في التغير الملحوظ الذي يلحظه كلا البلدين المتمثل في الانكفاء الامريكي عن منطقة الشرق الاوسط.