شـــتان الفـــارق... !
حتى الطليان غادروا الساحة بصمت في مونديال يعزز أن كرة القدم لا تعترف ببطل أو كبير , فهي عالم من الأسرار قريب لأسرار البحار، فشتان الفارق. ما الذي يحدث في مونديال البرازيل؟ سؤال ردده الكثير , كلما ودع كبير. لا شيء يعادل فرحة الصغار عندما يكبرون , ولا حزن يعادل الكبار عندما يذلون. في الحياة يقولون: (ارحموا عزيز قوم ذل) ويبدو أن هذه المقولة لها رواج في المونديال الحالي. فقد لاقت أسبانيا وإنجلترا وإيطاليا المصير المحتوم، بعد معاناة في الدور الأول, وبعضهم خرج بفضيحة, وبعضهم عاش ذل الخمسات. ورغم ذلك كله لم نسمع من إعلامهم أو جماهيرهم المطالبة برأس مدربيهم, أو الشماتة في لاعبيهم, رغم أنهم كانوا آسياد العالم في كرة القدم. الاسبان ودعوا المونديال من الباب الضيق، ورغم ذلك لم تنس جماهيره انه البطل السابق، وحرصت على استقبال اللاعبين ومواساتهم بعد الخروج المهين في المطار. الاتحاد الاسباني لم يفلت بجلده ولم يسق المبررات الواهية، ولم يجعل المدرب كبش فداء للاخفاق، بل تحلى بالشجاعة في غمرة الأحزان وأعلن تمسكه ببقاء ديل بوسكي، غير آبه بردات فعل الجماهير. لا أعرف كيف وصلت ثقافة المدرب كبش فداء, أو الشماتة في اللاعبين, لإعلامنا وجماهيرينا العربية, رغم أن الذين تعلمنا منهم كرة القدم بعيدون كل البعد عن هذه الثقافة التي أصبحت قاعدة وليس استثناء في عالمنا العربي. الكثير من الممارسات في عالمنا العربي تعد نشازا, وهذا النمط الخاطئ يعرج علينا في طريق طويل سياسيا واقتصاديا ورياضيا وحتى اجتماعيا. والغريب العجيب في معاداتنا الغرب أننا نقلدهم في سلبياتهم, ونتجاهل ايجابياتهم. لا أعرف في كرة القدم صبرا أقل من صبر صناع القرار في الأندية والاتحادات العربية على مدربيهم ونجومهم. فالقرارات سريعة وبها الكثير من الارتجالية, والجمهور هو من يقود مسيرتهم، نظرا للثقافة التي أشرنا إليها, فهم تابعون وليسوا (مؤثرين). في حالات الإخفاق عند الغرب يكون العقل سيد الموقف, وعند العرب العاطفة الجياشة السيدة والخادمة والصانعة والمسئول والجمهور, فهي كل شيء, لذلك نحن لا نتعلم من الأخطاء والتجارب, وهم يحولون هزائمهم وإخفاقاتهم إلى انتصارات وتجارب ناجحة. مواجهة كلينسمان منتخب بلاده في المونديال اليوم تجسد حالة أخرى لتجنب العواطف بعيداً عن العمل، ولو حدث هذا في عالمنا العربي لاتهم المدرب بالخيانة والعمالة، والسعي لإسقاط بلاده في المونديال. في الغرب لا مجال للعاطفة في اتخاذ القرارات، لكن لدينا العاطفة هي المحرك الأساس لكل قراراتنا الحياتية سواء الحساسة منها أو العادية، فشتان الفارق بيننا وبينهم.