سحر الملاعب
سحر الكلام على المستطيل الأخضر هو عنوان عريض لأمريكا اللاتينية، قد تخسر منتخباتها ألقاب المونديال هذا صحيح، ولكن الفن والمهارة والإمتاع في كرة القدم ماركة مسجلة لأولئك الذين لامسوا الكرة على الشواطئ الرملية، وهم جياع لا يجدون قوت يومهم. حتى الإكوادور وهندوراس وكولمبيا الذي يشتكي الفقر من فقرهم يقدمون السحر الكروي حتى وإن لم يحظوا بالألقاب، فما بالك بالسامبا والتانجو. حتى جماهيرهم على المدرجات لهم حضور أخاذ، نغماتهم تتواكب مع أداء منتخباتهم في الملعب، ليقدموا صورة جمالية لا تجدها في منتخبات دول العالم الذين لا يعرفون إلا الرفاهية. لكرة القدم قصة جميلة مع الفقراء تفوق حكايتها مع الأثرياء، بل إننا لم نسمع يوما أن فنها ظهر مع نجوم ولدوا وفي فمهم معلقة من ذهب، فكل الروايات الجميلة التي سمعناها كانت عبر محطة أولئك الذين ذاقوا الحرمان والتشرد والمعاناة في صغرهم، وقدموا جماليات كرة القدم في شبابهم وكبرهم. يبدو أن للفقر علاقة كبيرة مع كرة القدم في فلسفتها المبنية على الحرمان والنجومية، وقد لا توجد هذه المعادلة في مجالات الإبداع الأخرى، وأقصد بذلك الفن الإنساني، صحيح هناك قصص مشابهة في الموسيقى والأدب والرسم، ولكنها قليلة جدا مع حكايات نجوم الكرة. وتكبر هذه القناعة كلما تابعنا الفن الكروي والمهاري لمنتخبات أمريكا اللاتينية منذ القدم، وبعدها نمت هذه الفلسفة في القارة السمراء، مما عزز هذه النظرية التي تحكي قصة الحرمان والنجومية. تعرفون الكثير من الأسماء التي عاشت الحرمان في طفولتها، وقدمت فنون الكرة فيما بعد، وقرأتم فصول حكاياتهم بتأثر، لكنني هنا لا اتحدث عن الحالة الفردية، بل أعني بالحالة الجماعية التي بدأت تتشكل في صورة أقرب للخيال، وتجعلنا نتساءل بصدق، ما هي العلاقة بين الحرمان وكرة القدم. لا يمكن أن اتجاهل نجوما كبارا ولدوا في دول غنية وأسر ثرية، ولم يضطرهم الزمن للنوم في الشوارع أو السرقة مع أطفال الحارة، لكنهم نجوم فقط، وقد لا يمتلكون المهارة التي يسيل لها اللعاب، كما هي مواهب أبناء الشواطئ في بلدان أمريكا اللاتينية. في الولايات المتحدة الأمريكية أغنى دول العالم، أغلب نجومها في اللعبة الشعبية الأولى (كرة القدم الأمريكية) وكرة السلة وألعاب القوى هم من الطبقة المحرومة في صغرهم، ومعنى ذلك أن الحرمان والمعاناة هي الأساس في هذه النظرية، وليس فقر أو ثراء الدول، والأمريكان مثال حي ليس في الرياضة فقط، بل حتى في الموسقى. (الفن السابع) يولد من المعاناة، هكذا قرأنا في متابعة سير الأبطال والمواهب، لكنها في كرة القدم لها وقع خاص جدا، فهي ليست حالة فردية، بل حالة جماعية، وما عليكم إلا الاستمتاع بوجود أي منتخب طرفا في مباريات المونديال الحالي حتى لو كان خاسرا في المنازلة.