بكل لغات العالم!!
المونديال يتحدث بأكثر من لغة، ويعبر بأكثر من موقف، ولكن كل العالم يفهمه مهما اختلفت اللغات، وتباعدت الآراء، وتباينت المواقف. تموت السياسة في حضرته، وتصمت الخصومات، وترفع شعارات الإنسان والموهبة والإبداع. والجميل في المونديال الجديد، ألا كبير ولا صغير فيه، فالبطل يُسحق بالخمسة، والزائر الجديد حديث العهد يهزم أول بطل للعالم بثلاثية، وهذا السيناريو حدث في مواجهة الأوروجواي وكوستاريكا. والجميل أكثر أن كل مباريات المونديال لها حضور جماهيري أخاذ، فلم تعد هناك مواجهات جماهيرية وأخرى غير جماهيرية. كل شيء في المونديال يبعث على الحياة، ولم يعد المستطيل الأخضر متفردا بالساحة، ففي البرازيل اتضحت الصورة أكثر وأكثر لتكون كرة القدم الصغيرة بابا واسعا لسياحة بشرية من كل بقاع الدنيا لموقع التظاهرة العالمية الكبيرة.ما بين المونديال والسياحة العالمية شريط متين، يقوى من مونديال لآخر، ويكتب سيناريو جديدا لتوغل اللعبة الشعبية الأولى في الاقتصاد والاجتماع والسياحة والبنى التحتية، وكل ما يرتبط بالحياة. في المونديال نبع عالمي وبشري، يعطى بارقة أمل لشعوب العالم في تحويل صوت العنف لمودة وسلام مهما كانت بشرة الإنسان ولغته ودينه، فالمظهر التفاعلي يوحي بأن العالم من الممكن أن يتوحد، وأن القارات المتباعدة من الممكن أن تكون على خارطة واحدة. لم يعد المونديال لغة فوز وخسارة فقط، فقد ذهب بعيدا في مضامير عديدة، ورسالة تقدمها الشعوب على اختلاف ألسنتها وديانتها وبشرتها للعالم، وثقافة اليابانيين قدمها جمهورهم في أحلك الظروف عندما خسروا من ساحل العاج، وشاهدهم العالم يقومون بتنظيف المدرجات التي كانوا عليها أثناء المباراة، فلا الخسارة ولا الضجر جعلهم ينسون ما تربوا عليه. لقد أصبح المونديال رسالة للشعوب، وتعبيرا عن ثقافة حقيقية للبشر، وإن صح التعبير فيها مباريات شعوب في تقديم حضارتها. لا يمكن أن نعتبر المونديال لغة كروية خالصة لا سيما في العقدين الماضيين، فقد أدخل عليه الكثير من المفاهيم التي كانت غائبة في بداياته، بل إن الأهداف التي كانت قد وضعت لهذه التظاهرة العالمية تغيرت كثيرا، فلم تعد كرة القدم للفن والمتعة والموهبة والجمهور فقط، بل أصبحت صناعة اقتصادية واجتماعية وسياحية وثقافية، والجميل أنها تطرد السياسة من أجندتها، لذلك بقيت عاملا مشتركا بين شعوب العالم، تنمو وتزدهر وتجمع وتقرب كل الخصومات لتسير في قناة واحدة. المونديال أصبح لغة عالمية موحدة رغم اختلاف الألسن، وثقافة واحدة رغم اختلاف الأديان، وهو محطة هامة لالتقاط الأنفاس في عالم بدأت المآسي الإنسانية تحيطه من حدب وصوب. عيشوا المونديال لتعرفوا لغة التسامح، رغم أن اللعبة فيها فوز وخسارة وفرح وحزن.